كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٣١١ - فائدة
أجنحة الملك، و الحكمة في تقدّمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقي فيه مكانا لغيره. و في الصحيح أنّ هذه الحالة أشدّ حالات الوحي عليه. و قيل إنّه إنّما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية و عيد أو تهديد. الثانية أن ينفث في روعه الكلام نفثا كما قال صلى اللّه عليه و آله و سلم (إنّ روح القدس نفث في روعي) [١] أخرجه الحاكم، و هذا قد يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها بأن يأتيه في إحدى الكيفيتين و ينفث في روعه. الثالثة أن يأتيه في صورة رجل فيكلّمه كما في الصحيح (و أحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول) [٢] زاد أبو عوانة [٣] في صحيحة [٤] و هو أهونه عليّ. الرابعة أن يأتيه في النوم و عدّ من هذا قوم سورة الكوثر. الخامسة أن يكلّمه اللّه تعالى إمّا في اليقظة كما في ليلة الإسراء أو في النوم كما في حديث معاذ (أتاني ربّي فقال فيم يختصم الملأ الأعلى) [٥] الحديث انتهى ما في الإتقان.
و قال الصوفية القرآن عبارة عن الذات التي يضمحلّ فيها جميع الصفات فهي المجلى المسمّى بالأحدية أنزلها الحقّ تعالى على نبيه محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم ليكون مشهد الأحدية من الأكوان. و معنى هذا الإنزال أنّ الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت بكمالها في جسده، فنزلت عن أوجها مع استحالة العروج و النزول عليها، لكنه صلى اللّه عليه و آله و سلم لما تحقّق بجسده جميع الحقائق الإلهية و كان مجلى الاسم الواحد بجسده، كما أنّه بهويته مجلى الأحدية و بذاته عين الذات، فلذلك قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: (أنزل عليّ القرآن جملة واحدة) [٦] يعبّر عن تحقّقه بجميع ذلك تحقّقا ذاتيا كليا جسميا، و هذا هو المشار إليه بالقرآن الكريم لأنه أعطاه الجملة، و هذا هو الكرم التّام لأنّه ما ادّخر عنه شيئا بل أفاض عليه الكلّ كرما إلهيا ذاتيا. و أمّا القرآن الحكيم فهو تنزّل الحقائق الإلهية بعروج العبد إلى التحقّق بها في الذات شيئا فشيئا على مقتضى الحكمة الإلهية التي يترتّب الذات عليها فلا سبيل إلى غير ذلك، لأنّه لا يجوز من حيث الإمكان أن يتحقّق أحد بجميع الحقائق الإلهية بجهده من أوّل إيجاده، لكن من كانت فطرته مجبولة على الألوهة فإنّه يترقّى فيها و يتحقّق منها بما ينكشف له من ذلك شيئا بعد شيء مرتبا ترتيبا إلهيا. و قد أشار الحقّ إلى ذلك بقوله:
وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [٧]، و هذا الحكم لا ينقطع و لا
[١] أخرجه الحاكم البغوي، الحسين بن مسعود (- ٥١٦ ه)، شرح السنة، تحقيق شعيب الارناؤوط، ط اولى، دمشق المكتب الاسلامي، ١٤٠٠ ه، ح ٤١١٢، ١٤/ ٣٠٤.
[٢] الصحيحان و صحيح ابي عوانة مع زيادة فيه. صحيح البخاري، بيان كيفية الوحي، ح ٢، ١/ ٣
و ذكر السيوطي في شرح سنن النسائي أن أبا عوانة زاد في صحيحه قوله صلى اللّه عليه و سلم (و هو أهون عليّ). سنن النسائي، كتاب الافتتاح، باب جامع ما جاء في القرآن، ح ٩٣٣، ٢/ ١٤٦.
[٣] هو يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم النيسابوري الأسفراييني، ابو عوانة، توفي عام ٣١٦ ه/ ٩٢٨ م، من أكابر حفاظ الحديث، طاف في البلاد و جمع الحديث، فقيه شافعي له عدة كتب. الاعلام ٨/ ١٩٦، تذكرة الحفاظ ٣٥/ ٢، وفيات الاعيان ٢/ ٣٠٨، مرآة الجنان ٢/ ٢٦٩، معجم البلدان ١/ ٢٢٨.
[٤] صحيح ابي عوانة ليعقوب بن اسحاق النيسابوري الأسفراييني (- ٣١٦ ه) كشف الظنون، ٢/ ١٠٧٥.
[٥] سنن الدارمي، كتاب الرؤيا، باب في رؤية اللّه تعالى في النوم، ١٢٦
[٦] رواه الحاكم، المستدرك، كتاب التفسير، ٢/ ٢٢٢، بلفظ: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر ... و قال عنه أنه حديث صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه.
[٧] الفرقان/ ٣٢