كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٧٣٩ - حرف الهاء (ه)
بالإيصال لا يوجب اعتبار الإيصال إلى المطلوب بحيث لا يصدق المهدي إلّا على الواصل إلى المطلوب دون من عرف طريقا لو سلكه وصل إلى المطلوب. و إنّما قلنا ذلك لأنّ الإيصال لو وجد فليس من الدلالة لظهور أنّها ليست موصلة بل الإيصال موهوم أسند مجازا إلى الدلالة ليفيد زيادة مدخلية للدلالة في الوصول، كما قيل في أقدمني بلدك حقّ لي على فلان. و حاصله أنّ الهداية هو الدلالة على الطريق و التعريف له على وجه يترتّب عليها التعرّف لا مجرّد الإتيان بما يوجب التعرّف عادة سواء حصل التعرّف أم لا كما في علّمته فلم يتعلّم، و إن كان ذلك مجازا، و كذا الكلام في الإيصال الذي جعل صفة الطريق في التعريف الأول، فإنّه موهوم أسند مجازا إلى الطريق لإفادة مدخلية الطريق في الوصول بأن يكون طريق المطلوب بحسب نفس الأمر. و أمّا الدلالة المذكورة فيه و إن لم توصف بالإيصال فهي موجبة لتعرف المهدي طريق المطلوب، لأنّ التعريف حقيقة بدون التعرّف غير معقول و الحمل على المجاز خلاف الظاهر، و دفع توهّم المجاز لا يجب فلا ينتقض التعريف المذكور بقوله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ فإنّ النبي عليه الصلاة و السلام أحبّ أن يهدي أبا طالب [١] و لكن لم يتيسّر له ذلك و إن أتى بما يوجب الاهتداء عادة. و أمّا دفع نقض التعريفين بقوله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ الآية فبالحمل على المجاز لدلالة قوله تعالى فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى على أنّهم كانوا محبّين بجهلهم و عماهم فلم يصغوا إلى من كان بصدد هدايتهم ليحصل الاهتداء و معرفة طريق الحقّ، لا أنّهم صاروا عارفين للطريق. لكن لم يسلكوا ليصلوا إلى المطلوب. و قيل لو كان الهداية تعريف الطريق من غير أن يفضي ذلك التعريف إلى المطلوب لزم أن يكون عارف الشريعة و أحكامها متقاعدا عن العمل مهتديا بمقتضاها و ليس كذلك، و إذا كان الاهتداء مطاوعا لهدى لزم اعتبار السلوك إلى أن يصل إلى المطلوب و فيه نظر، إذ لا نسلّم أنّه ليس بمهتد لا بدّ له من دليل انتهى كلامه. قيل هذا هو المشهور لكن المذكور في كلام المشايخ أنّ الهداية عند الأشاعرة خلق الاهتداء، و عند المعتزلة بيان طريق الصواب كما في شرح العقائد النسفية، و هكذا في شرح المواقف حيث قال: معناها الحقيقي عند الأشاعرة خلق الاهتداء و هو الإيمان و عند المعتزلة الدعوة على الإيمان و الطاعة و إيضاح السبيل الراشد و الزجر عن طريق الغواية و يسمّى توفيقا أيضا كما في قوله تعالى وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ الآية انتهى. و قيل لا منافاة بين المشهور و بين ما ذكره المشايخ، إذ ما هو المشهور المعنى اللغوي أو العرفي و ما ذكره المشايخ هو المعنى الشرعي، و المراد من الهداية في أغلب استعمالات الشّرع هذا. ثم الهداية قد تستعمل أيضا في معنى الدعوة إلى الحقّ في قوله تعالى في حقّ المهاجرين و الأنصار سَيَهْدِيهِمْ، و قد تستعمل في معنى الإرشاد في الآخرة إلى طريق الجنة. اعلم أنّ الهداية يقابلها الإضلال لأنّها متعد بنفسها فتعريفها بوجدان ما يوصل إلى المطلوب باطل لأنّ ذلك الوجدان هو الاهتداء لا الهداية. و قيل قد جاء هدى لازما بمعنى اهتدى كما في الصحاح. و أجيب بأنّ ما جاء لازما هو هدي
[١] هو عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم من شيوخ قريش. ولد عام ٨٥ ق. ه/ ٥٤٠ م و توفي عام ٣ ق. ه/ ٦٢٠ م.
الاعلام ٤/ ١٦٦، طبقات ابن سعد ١/ ٧٥، ابن الأثير ٢/ ٣٤، تاريخ الخميس ١/ ٢٩٩، خزانة البغدادي ١/ ٢٦١.