كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١١٥٤ - فائدة
الإدغام. و في شرح التجريد الظّنّ ترجيح أحد الطرفين أي الإيجاب و السّلب اعتقادا راجحا لا ينقبض النفس معه عن الطرف الآخر، و هو غير اعتقاد الرجحان فإنّ اعتقاد الرجحان قد يكون جازما بخلاف الظّنّ فإنّه اعتقاد راجح بلا جزم، و لذا يقبل الشّدة و الضّعف و طرفاه علم و جهل، فإنّ بعض الظنون أقوى من بعض انتهى. فالظنّ إدراك بسيط و التوهم أمر مغاير له حاصل بعد ملاحظة الطرف الآخر. و ما قالوا إنّ الظن إدراك يحتمل النقيض فالمراد أنّه كذلك بالقوة، كذا ذكره السّيّد السّند في الحواشى العضدية، و هكذا في السلم. ثم إطلاق الظّنّ على الاعتقاد الراجح هو المشهور. و قد يطلق الظّنّ بمعنى الوهم كما في التلويح في ركن السّنّة في بيان حكم خبر الواحد. و قد يطلق على ما يقابل اليقين أي الاعتقاد الذي لا يكون جازما مطابقا ثابتا، سواء كان غير جازم، أو جازما غير مطابق، أو جازما مطابقا غير ثابت. و على هذا وقع في البيضاوي في تفسير قوله تعالى وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [١]. و قد يطلق الظّنّ بإزاء العلم على كلّ رأي و اعتقاد من غير قاطع و إن جزم به صاحبه كاعتقاد المقلّد و المائل عن الحقّ لشبهة، فيتناول الظّنّ بالمعنى المشهور الجهل المركّب و اعتقاد المقلّد، هكذا يستفاد مما في شرح المواقف و حاشية المولوي عبد الحكيم في المقصد الأول من مرصد النظر.
و في كليات أبي البقاء الظّنّ يكون معناه يقينا و شكّا فهو من الأضداد كالرّجاء يكون خوفا و أمنا، و الظّنّ في الحديث القدسي: (أنا عند ظنّ عبدي بي) [٢] بمعنى اليقين و الاعتقاد.
و عند المنطقيين التردّد الراجح الغير الجازم، و عند الفقهاء هو من قبيل الشك لأنهم يريدون به التردد بين وجود الشيء و عدمه، سواء استويا أو ترجّح أحدهما، و العمل بالظّنّ في موضع الاشتباه صحيح شرعا كما في التحرّي، و غالب الظّنّ عندهم ملحق باليقين و هو الذي تبتني عليه الأحكام، يعرف ذلك من تصفّح كلامهم، و قد صرّحوا في نواقض الوضوء بأنّ الغالب كالمتحقّق و صرّحوا في الطلاق بأنّه إذا ظنّ الوقوع لم يقع، و إذا غلب على ظنّه وقع.
و الظّنّ متى لاقى فصلا مجتهدا فيه أو شبهة حكمية وقع معتبرا. و قد يطلق الظّنّ بإزاء العلم على كلّ رأي و اعتقاد من غير قاطع، و إن جزم به صاحبه كاعتقاد المقلّد و الزائغ عن الحقّ لشبهة، و قد يجيء بمعنى التوقّع كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [٣] و لا إثم في ظنّ لا يتكلّم به، و إنّما الإثم في ما يتكلّم به و لا عبرة بالظّنّ البيّن خطاؤه، كما لو ظنّ الماء نجسا فتوضّأ به ثم تبيّن أنّه كان طاهرا جاز وضوؤه. و الظّنون تختلف قوة و ضعفا دون اليقين انتهى.
ثم المقدّمات الظنية أنواع كالمشهورات و المقبولات و المسلّمات و المخيّلات و الوهميات و المقرونة بالقرائن كنزول المطر بوجود السحاب الرطب، و تفصيل كلّ في موضعه. و المظنونات و هي القضايا التي يحكم بها العقل حكما راجحا مع تجويز نقيضه، بمعنى أنّه لو خطر بالبال النقيض لجوّزه العقل صادقة كانت أو كاذبة، كما يقال فلان يطوف بالليل، و كلّ من يطوف بالليل فهو سارق. قال المولوي عبد الحكيم في حاشية القطبي: قوله يحكم بها العقل حكما راجحا أي سبب الحكم بها هو الرّجحان، فيخرج المشهورات و المسلّمات و المقبولات و يدخل التجربيّات و المتواترات
[١] البقرة/ ٧٨
[٢] صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قوله تعال: وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ، ح ٣٤، ٩/ ٢١٦.
[٣] البقرة/ ٤٦.