كشاف اصطلاحات الفنون و العلوم - التهانوي، محمد علي - الصفحة ١٢٦٨ - فائدة
تعريف الجزء الذي لا يتجزأ في حاشية الخيالي.
قال الحكماء الفرض على نوعين: أحدهما ما يسمّى فرضا انتزاعيا و هو إخراج ما هو موجود في الشيء بالقوّة إلى الفعل، و لا يكون الواقع مخالف المفروض، كما في قولنا الكرة إذا تحرّكت على مركزها فلا بد أن يفرض فيها نقطتان لا حركة لهما أصلا، و أن يفرض بينهما دائرة عظيمة في حاق الوسط و دوائر صغار متوازية لها أي لتلك الدائرة العظيمة. و ثانيهما ما يسمّى فرضا اختراعيا و هو التعمّل و اختراع ما ليس بموجود في الشيء بالقوّة أصلا، و يكون الواقع مخالف المفروض، كذا ذكر العلمي في حاشية هداية الحكمة في أقسام الحكمة.
فالفرض هاهنا بمعنى تصوّر العقل، إلّا أنّ التصوّر في الانتزاعي مطابق للواقع و في الاختراعي مخالف له، فالاشتراك بين النوعين معنوي؟ و بهذا المعنى وقع الفرض في قول المحاسبين المفروض الأول و المفروض الثاني المذكورين في عمل الخطائين.
و أمّا الفقهاء فالشافعي يقول هو و الواجب مترادفان شاملان للقطعي و الظّنّي، و معناهما ما يذم تاركه و يلام شرعا بوجه، سواء ثبت بدليل قطعي أو ظنّي. و المراد بالذّم شرعا نصّ الشارع به أو بدليله. و الحنفية يفرّقون بينهما بالقطع في الفرض و عدمه في الواجب نعم قد يستعمل الفرض عندهم بمعنى الواجب كما أنّ الواجب قد يستعمل بمعنى الفرض كقولهم الوتر فرض و الحج واجب. و في كشف البزدوي اختلفت العبارات في حدّه فقيل الفرض ما يعاقب المكلّف على تركه و يثاب على فعله، و يرد عليه الصلاة في أوّل الوقت فإنّها تقع فرضا و لا يعاقب على تركه حتى لو مات قبل آخر الوقت لا يعاقب عليه، و صوم رمضان في السّفر فإنّه يقع فرضا و لا يعاقب على تركه، و أيضا تارك الفرض قد يعفى عنه و لا يعاقب. و قيل هو ما يخاف أن يعاقب على تركه. و قيل هو ما فيه وعيد لتاركه. و يرد عليهما ترك الصلاة في أوّل الوقت و ترك صوم السّفر. و يرد على الأول منهما ما يشكّ في فرضيته و لا يكون فرضا في نفسه فإنّه لا يخاف العقاب على تركه. و يرد على التعريفات الثلاثة أنّها تشتمل القطعي و الظّنّي، فلا بدّ من زيادة قيد يخرج الظّنّي، أو من ارتكاب إطلاق الفرض على الواجب بالمعنى الأعمّ الشامل للقطعي و الظّنّي و الصحيح ما قيل الفرض ما ثبت بدليل قطعي و استحقّ الذّمّ على تركه مطلقا من غير عذر. فقوله ما ثبت بدليل قطعي يشتمل المندوب و المباح الثابتين بدليل قطعي، و احترز عنهما بقوله و استحقّ الذّمّ على تركه، و احترز بقوله مطلقا عن ترك الصلاة في أول الوقت و ترك الصوم حالة العذر لأنّ ذلك ليس بترك مطلقا. و بقوله من غير عذر من المسافر و المريض إذا تركا الصوم و ماتا قبل الإقامة و الصّحّة لأنّ تركهما بعذر. و إذا بدل لفظ القطعي بالظنّي فهو حدّ الواجب انتهى.
اعلم أنّهم قالوا جاحد الفرض كافر دون جاحد الواجب. و تارك العمل بالفرض مؤوّلا فاسق دون الواجب، و به يقول الشافعي رحمه اللّه تعالى أيضا، فلا نزاع له مع الحنفية في تفاوت مفهوميهما بحسب اللغة، و لا في تفاوت ما ثبت بدليل قطعي كمحكم الكتاب، و ما ثبت بدليل ظنّي كمحكم خبر الواحد في الشرع، فإنّ جاحد الأول كافر دون الثاني، و تارك العمل بالأول مؤولا فاسق دون الثاني كما عرفت.
و إنّما يزعم أنّهما لفظان مترادفان منقولان من معناهما اللغوي، إلى معنى واحد و هو ما يمدح فاعله و يذمّ تاركه شرعا، ثبت بدليل قطعي أو ظنّي، و لا مشاحة في الاصطلاح، فالنزاع لفظي عائد إلى التسمية. فالشافعي رحمه اللّه تعالى يجعل اللفظين اسما لمعنى واحد يتفاوت