شرح النجاة - الإسفرايني النيشابوري، فخر الدين - الصفحة ٤٩٦ - في أحوال الأنفس المقدّسة بعد المفارقة عن أبدانهم
يفرح بذلك فرحا لا يدرك كنهها، و مع ذلك فقد يتذكّر أحيانا أهله و ولده، و يحنّ إليهم حنينا يسيرا، ثمّ بعد زمان قليل ينسى ذلك، و قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [١] إشارة إلى ما ذكرنا [٢].
و أمّا النفوس المتنبّهة لكمالاتها المقصّرة في تحصيل أسبابها الغير المكتسبة لاستعداد حصولها في الآخرة الغير المتألّمة [٣] على فواتها لموانع ذكرت، فإنّها إذا فارقت عن البدن و زالت الشواغل عنها تنبعث أشواقها الطبيعية إلى كمالاتها، فتبقى متشوّقة إلى الأبد، و لم تنلها البتة، فتبقى مريضة في جوهرها، لا راحة لها و لا قرار لها، لا تموت فيها و لا تحيى.
فإن كانت مع ذلك تابعت الشهوات و نالت إلى الزخارف الدنياوية فإنّها إذا فارقت البدن اشتاقت إليها و طلبتها. فيضاعف لها العذاب ضعفين، لكن هذا العذاب لا يدوم؛ لأنّ الهيئة العارضة للنفس لا تدوم.
و و أمّا النقصان الحاصل في الاستعداد للكمال فغير مجبور بعد المفارقة؛ لأنّ حصوله بواسطة البدن و لا بدن.
و أمّا النفوس الّتي لم تتنبّه في البدن لكمالاتها الممكنة لها فهي [١]:
إمّا أن تكون ساذجة، [٢]: و إمّا أن تكون معتقدة اعتقادات باطلة.
فإن كانت ساذجة خالية عن الاعتقادات فإنّها إذا فارقت عن البدن لا تتشوّق إلى كمالاتها؛ لأنّ الشوق إليها تابع للتنبه لها، و إذا
[١] . مريم/ ٧١
[٢] . ف: ذكروا
[٣] . ف: المتأمله