شرح النجاة - الإسفرايني النيشابوري، فخر الدين - الصفحة ٤٩٣ - في أحوال الأنفس المقدّسة بعد المفارقة عن أبدانهم
البدن، كأنّ الحذر إذا عرض عليه النار فلا يدرك ألمها [١]، فإذا زال الحذر أدرك الألم العظيم دفعة واحدة، فيكون ذلك هو العذاب الذي لا يساويه عذاب النار.
و أمّا النفوس الّتي أدركت المعقولات و اكتسب [ت] تلك الاتصال بالعقل الفعال فحقّها أن تلتذّ بها، لكنّ الانغماس في شغل البدن قد يلهيها عن تلك اللذة، فتلتذّ التذاذا ضعيفا. و نسبة هذا الالتذاذ إلى ذلك الالتذاذ نسبة تنشّق روائح الملذات اللذيذة إلى الالتذاذ بطعمها، بل أبعد من ذلك. و ممّا ينبّهك أنّك إذا فكّرت في مسألة عويصة مهمة، فيعرض عليك طعام لذيذ أو شهوة أخرى حسنة و خيّرت بينهما، فإنّك تستخفّ بالشهوة إن كنت كريم النفس، فتؤثّر اللذة العقلية على الحسية. و ترى أنّ أكثر الناس يتركون أكثر الشهوات تحرّزا عن افتضاح و خجالة أو تعيير و شوقا له، فيتركون قضاء الوطر [٢] عن عشيقتهم إذا كان بحيث يعرفه غيرهم، فيستحقرون تلك اللذة محافظة على ماء الوجه.
فالنفوس الكاملة إذا زال عنها شغل البدن بالموت كان مثلها مثل الحذر الذي أذيق [٣] المطعم الألذّ و عرض للحالة الأشهى، و كان لا يشعر به، فزال عنه العارض فأدرك اللذة العظيمة دفعة. [٤] أو مثل من كان له عشيقة فضاجعها و هو نائم فانتبه فجأة فأدرك لذة الوصال.
و أمّا النفوس الّتي فارقت البدن و قد تنبّهت بكمالها و لم يحصلها و هي
[١] . ش:- فاذا زال ... ألمها
[٢] . الوطر: الحاجة، البغية
[٣] . هكذا فى النسخ/ ف: اوثق
[٤] . ف:- دفعة