دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٠٩ - باب تحزيب الأحزاب و حفر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الخندق
(١) و إنما قالوا ذلك حسدا للعرب أن جعل اللّه- عز و جل- محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) منهم، فلما قالوا ذلك لقريش أجابوهم إلى ما دعوهم إليه، ثم خرجوا حتى جاءوا غطفان فاستصرخوهم على حرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و دعوهم إلى أن يجاهدوه معهم، و أخبروهم أن قريشا تابعوهم على ذلك فواعدوهم [٣].
فلما أقبلت قريش نزلوا بجمع الأسيال من رومة بئر بالمدينة، قائدها أبو سفيان بن حرب، و أقبلت غطفان معها عيينة بن حصن، و الحارث بن عوف، حتى نزلوا بنقمين إلى جانب أحد، فلما نزلوا بذلك المنزل و قد كان جاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الخبر بما أجمعت [٤] له قريش و غطفان، فضرب الخندق على المدينة و عمل فيه ترغيبا للمسلمين في الأجر، و عمل المسلمون فيه فدأب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و دأبوا، و أبطأ عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و عن المسلمين في عملهم ذلك: رجال من المنافقين، و جعلوا يورّون [٥] بالضعيف من العمل، فيتسلّلون إلى أهليهم بغير علم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و لا إذن، و جعل الرجل من المسلمين إذا نابت النائبة من الحاجة التي لا بدّ منها يذكر ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع الى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير و احتسابا له، فأنزل اللّه عز و جل في أولئك من المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إلى قوله وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [٦].
فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه و ارتجز فيه برجل من المسلمين كان يقال له جعيل فسماه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عمرا، فقالوا:
[٣] سيرة ابن هشام (٣: ١٦٩)، و نقله الحافظ ابن كثير مختصرا في التاريخ (٤: ٩٤- ٩٥).
[٤] في (ح): «جمعت».
[٥] (يورّون) يستترون.
[٦] الآيات (٦٢- ٦٤) من سورة النور.