دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١١٢ - باب سياق قصة بدر عن مغازي موسى بن عقبة فإنها فيما قال أهل العلم أصح المغازي، و لنأت على ما سقط من تلك القصة عما ذكرنا منها في الأخبار المتفرقة
(١) كاذبا ولي قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة، و إنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه أو ابنه أو ابن أخيه أو ابن عمه، فيورث ذلك فيهم إحنا و ضغائن، و إن كان هذا الرجل ملكا كنتم في ملك أخيكم، و إن كان نبيا لم تقتلوا النبي فتسبّوا به، و لن تخلصوا أحسب إليهم حتى يصيبوا أعدادهم، و لا آمن أن تكون لهم الدّبرة عليكم، فحسده أبو جهل على مقالته، و أبى اللَّه عز و جل إلا أن ينفذ أمره. و عتبة بن ربيعة يومئذ سيد المشركين فعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي، و هو أخو المقتول، فقال: هذا عتبة يخذل بين الناس و قد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها أ فلا تستحيّون من ذلك أن تقبلوا الدية؟ و قال أبو جهل لقريش: إن عتبة قد علم أنكم ظاهرون على هذا الرجل، و من معه و فيهم ابنه و بنو عمه و هو يكره صلاحكم.
و قال أبو جهل لعتبة و هو يسير فيهم و يناشدهم: انتفخ سحرك. و
زعموا أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال و هو ينظر إلى عتبة: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، و إن يطيعوه يرشدوا
فلمّا حرّض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمرا فقمن يصحن وا عمراه وا عمراه، تحريضا على القتال و قام رجال فتكشّفوا يعيّرون بذلك قريشا، فاجتمعت قريش على القتال و قال عتبة لأبي جهل ستعلم اليوم من انتفخ سحره أي الأمرين أرشد و أخذت قريش مصافّها للقتال و قالوا لعمير بن وهب: اركب فاحرز لنا محمدا و أصحابه، فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه، ثمّ رجع إلى المشركين فقال حزرتهم بثلاثمائة مقاتل زادوا شيئا أو نقصوا شيئا، و حزرت سبعين بعيرا، و نحو ذلك، و لكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو خبيء، فأطاف حولهم و بعثوا خيلهم معه، فأطافوا حول رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ثم رجعوا فقالوا: لا مدد لهم و لا خبيء، و إنّما هم أكلة جزور طعام مأكول.
و قالوا لعمير حرّش بين القوم فحمل عمير على الصّفّ و رجعوا بمائة