دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٦٠ - باب ما جاء في دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المشركين قبل التقاء الجمعين و بعده، و دعاء أصحابه عليهم، و استغاثتهم ربهم، و استجابة اللّه تعالى لهم، و إمدادهم بالملائكة، و إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن مصارع القوم قبل وقوعها، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١) قال: فحدثني إبراهيم بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس يثبّتونهم فيقول: إني قد دنوت منهم فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا. ليسوا بشيء، فذلك قول اللّه عز و جل: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [٤٩] إلى آخر الآية.
قال فحدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه قال كان السائب بن أبي حبيش [٥٠] يحدث في زمن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول: «و اللّه ما أسرني أحد من الناس، فيقال: فمن؟ فيقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبيض بين السماء و الأرض فأوثقني رباطا، و جاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا، و كان عبد الرحمن ينادي في العسكر من أسر هذا فليس يزعم أحد أنه أسرني حتى انتهى بي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): يا بن أبي حبيش من أسرك؟ فقلت: لا أعرفه، و كرهت أن أخبره بالذي رأيت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): أسرك ملك من الملائكة، اذهب يا بن عوف بأسيرك، فذهب بي عبد الرحمن بن عوف، فقال
[ ()] حاتم بسند صحيح عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي مدّ المشركين فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل اللّه تعالى: أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ الآية، فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد كرز المشركين و لم يمدّ المسلمون. و قال في موضع آخر: هذا- أي القول الأول- هو المعتمد.
[٤٩] الآية الكريمة (١٢) من سورة الأنفال.
[٥٠] السائب بن أبي حبيش بن المطلب بن عبد العزى القرشي الأسدي، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح، و ذكره ابن حجر في الإصابة (٢: ٩)، و قال: «أسلم يوم الفتح و أطعمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بخيبر ثلاثين وسقا، و لا أعلمه روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) شيئا ... و مات زمن معاوية بالمدينة».