دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٥٨ - باب ما جاء في دعاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المشركين قبل التقاء الجمعين و بعده، و دعاء أصحابه عليهم، و استغاثتهم ربهم، و استجابة اللّه تعالى لهم، و إمدادهم بالملائكة، و إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن مصارع القوم قبل وقوعها، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١)
قال: فحدثني محمد بن يحيى عن أبي عقيل عن محمد بن سهل بن أبي خيثمة، عن رافع بن خديج، عن أبي بردة بن نيار، قال: «جئت يوم بدر بثلاثة رؤوس فوضعتهنّ بين يدي النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقلت يا رسول اللّه: أما رأسان فقتلتهما، و أما الثالثة فإني رأيت رجلا أبيض طويلا ضربه فأخذت رأسه فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذاك فلان من الملائكة» [٤٧].
و كان ابن عباس، يقول: «لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر» [٤٨].
[٤٧] ابن كثير (٣: ٢٨١)، عن الواقدي، و عن المصنف.
ذكره الهيثمي في الزوائد (٦: ٨٣)، و قال: رواه الطبراني في الكبير و الأوسط، و فيه عبد العزيز بن عمران، و هو ضعيف.
[٤٨] انظر سيرة ابن هشام (٢: ٢٧٤). و نقل الصالحي في السيرة الشامية عن السبكي و غيره ما يلي:
قال شيخ الإسلام أبو الحسن السّبكيّ (رحمه اللّه تعالى): سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببدر، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فأجبت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه فتكون الملائكة مددا، على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب و سننها، التي أجزاها اللّه تعالى في عباده، و اللّه تعالى فاعل الأشياء.
و قال في الكشّاف في تفسير سورة يس في قوله تعالى: وَ ما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السّماء يوم بدر و الخندق؟ فقال:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها و قال بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ قلت: إنما كان يكفي ملك واحد فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، و بلاد ثمود و قوم صالح بصيحة، و لكنّ اللّه تعالى فضّل محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكل شيء على كبار الأنبياء و أولى العزم من الرّسل، فضلا على حبيبه النجار. و أولاه من أسباب الكرامة ما لم يؤته أحدا، فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء، و كأنه أشار بقوله: وَ ما أَنْزَلْنا ... وَ ما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهّل لها إلا مثلك، و ما كنا نفعله لغيرك.
و قد اختلف المفسّرون في قوله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ