دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٣٠ - باب مجيء الأحزاب و نقض بني قريظة ما كان بينهم و بين رسول اللَّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من العهد و الميثاق
(١) فلما انتهوا إليهم وجدوهم على أخبث ما بلغهم، وقعوا برسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قالوا:
لا عقد بيننا و بينه و لا عهد فبادأهم سعد بن عبادة، و كان رجلا فيه حدّ بالمشاتمة. فقال سعد بن معاذ: دعهم عنك. فما بيننا و بينهم أربى [١٠] من المشاتمة، ثم أقبلوا فلما أتوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قالوا: عضل و القارة. يريدون ما فعل عضل و القارة، بخبيب و أصحابه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): اللَّه أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين [١١].
قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعث إلى عيينة بن حصن و الحارث بن عوف، و هما قائدا غطفان. فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا و من معهما عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه، فجرى بينه و بينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب، و لم تقع الشهادة، و لا عزيمة الصلح الا المراوضة، و في ذلك ففعلا [١٢].
فلما أراد رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يفعل، بعث إلى سعد بن عبادة، و سعد بن معاذ، و ذكر ذلك لهما، و استشارهما فيه، فقالا: يا رسول اللَّه أمر تحتّه فنصنعه، أو شيء أمرك اللَّه به لا بد لنا من عمل به، ام شيء تصنعه لنا؟ فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): لا بل لكم، و اللَّه ما اصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، و كالبوكم [١٣] من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه قد كنّا نحن و هؤلاء القوم على الشرك باللّه، و عبادة الأوثان لا نعبد اللَّه و لا نعرفه، و هم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى، أو شراء فحين أكرمنا اللَّه بالإسلام، و هدانا له، و اعزّنا بك، نعطيهم أموالنا! مالنا
[١٠] في (ص) رسمت: «أربا»، و المعنى: أكثر و أعظم.
[١١] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٥- ١٧٦).
[١٢] رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٦- ١٧٧).
[١٣] (كالبوكم): اشتدوا عليكم، و الأصد فيه: الكلب، و هو السعار.