دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٢٩ - باب مجيء الأحزاب و نقض بني قريظة ما كان بينهم و بين رسول اللَّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من العهد و الميثاق
(١) ويحك يا كعب. جئتك بعزّ الدهر، بقريش معها قادتها حتى أنزلتها برومة، و جئتك بغطفان، على قادتها و سادتها، حتى أنزلتها إلى جانب أحد. جئتك ببحر طام [٢] لا يردّه شيء.
فقال: جئتني و اللَّه بالذلّ، و بجهام [٣]. قد هراق [٤] ماؤه ليس منه شيء، ويلك! فدعني و ما أنا عليه، فإنه لا حاجة لي بك، و لا بما تدعوني إليه، فلم يزل حييّ بن أخطب يفتله في الذروة، و الغارب [٥] حتى أطاع له، و أعطاه حييّ العهد و الميثاق، لئن رجعت قريش و غطفان قبل أن يصيبوا محمدا لأدخلنّ معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب العهد، و أظهر البراءة من رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و مما كان [٦] بينه و بينه [٧].
قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خبر كعب، و نقض بني قريظة، بعث سعد بن عبادة، و هو سيد الخزرج، و سعد بن معاذ، و هو سيّد الأوس، و كان معهما فيما يذكرون. و هو تبع لهما- خوّات بن جبير، و عبد اللَّه بن رواحة. فقال، ائتوا [٨] هؤلاء القوم، فانظروا، فإن كانوا على الوفاء فيما بيننا و بينهم، فأعلنوه. و ان كانوا على ما بلغنا عنهم، فالحنوا لي عنهم لحنا أعرفه، و لا تفتّوا [٩] في أعضاد المسلمين،
[٢] (البحر الطامي): المرتفع الكثير الماء، أراد أن يشبه عدد القوم في كثرته بالبحر لأنه يغطي جوانبه كلها.
[٣] الجهام: السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.
[٤] (هراق): صبّ، يريد أنه خال من المطر.
[٥] (يفتله في الذروة و الغارب) أي لم يزل يخادعه كما يخادع البعير إذا كان نافرا.
[٦] في (أ) و (ص): «و ما»، و أثبتنا ما في (ح) و هو موافق لسيرة ابن هشام.
[٧] الخبر رواه ابن هشام في السيرة (٣: ١٧٣- ١٧٥).
[٨] في سيرة ابن هشام «انطلقوا».
[٩] (فتّ في عضده) إذا ضعفه و وهنه.