دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٥ - باب ذكر سبب خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب في خروج المشركين و ما أعد اللّه عز و جل لنبيه من النصر في ذلك ببدر
(١) العدوة الدنيا من بطن التل إلى المدينة، و أرسل اللّه السماء و كان الوادي دهسا فأصاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه منها ما لبد لهم الأرض و لم يمنعهم من المسير، و أصاب قريشا منها ما لم يقدروا أن يرتحلوا معه فسار رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يبادرهم إلى الماء حتى نزل بدرا فسبق قريشا إليه
فلما جاء أدنى ماء من بدر نزل عليه فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول اللّه منزل أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتعداه و لا نقصّر عنه أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): بل هو الرأي و الحرب و المكيدة، فقال الحباب: يا رسول اللّه فإن هذا ليس بمنزل و لكن انهض حتى تجعل القلب كلها من وراء ظهرك ثم غوّر كل قليب بها إلا قليبا واحدا ثم احفر عليه حوضا فنقاتل القوم فنشرب و لا يشربون حتى يحكم اللّه بيننا و بينهم فقال قد أشرت بالرأي، ففعل ذلك فغورت القلب و بنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية و أقبلت قريش حين أصبحت يقدمها عتبة بن ربيعة على جمل له أحمر. فلما رآهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ينحطون من الكثيب قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها [٢٣] و فخرها تحادّك [٢٤] و تكذب رسولك اللهم فأحنهم [٢٥] الغداة».
ثم ذكر ابن إسحاق إشارة حكيم بن حزام بترك القتال و موافقة عتبة بن ربيعة إياه و مخالفة أبي جهل بن هشام و تعييره عتبة حتى دعا عتبة إلى البراز [٢٦].
[٢٣] الخيلاء: التكبر، و الإعجاب بالنفس.
[٢٤] تحادك: تعاديك، و تمتنع عن طاعتك.
[٢٥] أحنهم: أهلكهم أفعل من الحين، و هو الهلاك.
[٢٦] مقتطفات من سيرة ابن هشام (٢: ٢٤٣- ٢٦١).