دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٠١ - باب ما جرى بعد انقضاء الحرب و ذهاب المشركين في أمر القتلى و الجرحى و من أجاد الحرب و ما ظهر من الآثار في حال الشهداء على طريق الاختصار
(١) للأنصار حتى تبكين حمزة عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فانه قد ذكر أنه لا بواكي له، و كانوا يحبون رضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و زعموا أن الذي انطلق بالنوائح عبد اللّه بن رواحة، فلما سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البكاء قال ما هذا، فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم، و قال لهم معروفا، و رضي عمّن أمر برضا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: ما هذا أردت، و ما أحب البكاء، و نهى عنه [٦٢].
أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال:
حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن شيوخه الذين روى عنهم قصة أحد، قالوا: و انصرف رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، راجعا إلى المدينة من أحد فلقيته حمنة بنت جحش، فنعي لها الناس أخاها عبد اللَّه ابن جحش فاسترجعت و استغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت و استغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت و ولولت. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إنّ زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من صبرها عند أخيها و خالها و صياحها على زوجها [٦٣].
ثم مرّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على دور من دون الأنصار من بني عبد الأشهل و ظفر، فسمع البكاء و النوائح على قتلاهم، فذرفت عيناه، فبكى، ثم قال:
لكن حمزة لا بواكي له، فلما رجع سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما سمع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكاءهنّ على حمزة، خرج اليهنّ و هنّ على باب مسجده
[٦٢] البداية و النهاية (٤: ٤٨) عن موسى بن عقبة.
[٦٣] أخرجه ابن هشام في السيرة (٣: ٤١- ٤٢)، و البداية و النهاية (٤: ٤٦، ٤٧)، و
في سنن ابن ماجة حديث (١٥٩٠): عن حمنة بنت جحش، أنّه قيل لها: قتل أخوك، فقالت: (رحمه اللّه)، و إنا للّه و إنا إليه راجعون، فقالوا: قتل زوجك، فقالت: وا حزناه! فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ان للزوج من المرأة لشفقة ما هي لشيء.