دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٠٨ - باب سياق قصّة خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أحد و كيف كانت الوقعة
(١) و القدر، و عامّة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة، فلما صلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجمعة وعظ الناس و ذكّرهم، و أمرهم بالجدّ و الجهاد، ثم انصرف من خطبته و صلاته، فدعا بالّلأمة فلبسها، ثم أذّن في الناس بالخروج.
فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن نمكث بالمدينة، فإن دخل علينا العدو قاتلناهم في الأزقة، و هو أعلم باللّه و ما يريد و يأتيه الوحي من السماء، ثم اشخصناه، يا نبيّ اللَّه امكث كما أمرتنا،
قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب و آذن بالخروج إلى العدوّ أن يرجع حتى يقاتل، و قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلّا الخروج، فعليكم بتقوى اللَّه و الصبر عند البأس إذا لقيتم العدو انظروا ما آمركم به فافعلوه،
فخرج رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون فسلكوا على البدائع و هم ألف رجل و المشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى نزل بأحد، و رجع عنه: عبد اللَّه بن أبي بن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سبع مائة، فقال كعب بن مالك الأنصاريّ:
إنّا بهذا الجذع لو كان أهله* * * سوانا لقد ساروا بليل فأقشعوا [١]
جلاد على ريب الحوادث لا ترى* * * على هالك عينا لنا الدهر تدمع [٢]
[١] في سيرة ابن هشام (٣: ٧٤) ورد بيت الشعر كما يلي:
و إنّا بأرض الخوف لو كان أهلها* سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا و معنى أقشعوا، فروا، و ذلوا.
[٢] جلاد: جمع جليد، و هو الصبور.