دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٧٩ - باب غزوة بني النضير
(١) أبيّ و من كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فلما بلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لقيهم فقال لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم و إخوانكم فلما سمعوا ذلك من النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش. فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة [٦] و الحصون و إنكم لتقاتلنّ صاحبنا أو لنفعلنّ كذا و كذا و لا يحول بيننا و بين خدم [٧] نسائكم شيء- و هي الخلاخيل- فلما بلغ كتابهم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) اجتمعت بنو النضير بالغدر و أرسلوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك و ليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك. فإن صدّقوا و آمنوا بك آمنّا بك فقض خبرهم فلما كان الغد غدا عليهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالكتائب فحصرهم فقال لهم: إنكم و اللَّه لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه فأبوا أن يعطوه عهدا فقاتلهم يومهم ذلك،
ثم غدا على بني قريظة بالكتائب و ترك بني النضير، و دعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه فانصرف عنهم و غدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء فجلت بنو النضير و احتملوا ما أقلّت الإبل من أمتعتهم و أبواب بيوتهم و خشبها فكان نخل بني النضير لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خاصة أعطاه اللَّه إياها و خصه بها فقال جل و عز ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ [٨] يقول بغير قتال فأعطى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أكثرها المهاجرين و قسمها بينهم و قسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة، لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما و بقي منها صدقة رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) التي في أيدي بني فاطمة رضي اللَّه عنها» [٩].
[٦] (الحلقة): الدروع و السلاح.
[٧] (خدم): الخلاخيل.
[٨] الآية الكريمة (٦) من سورة الحشر.
[٩] أخرجه ابو داود في كتاب الخراج و الإمارة و الفيء، باب في خبر النضير، الحديث (٣٠٠٤)، صفحة (٣: ١٥٦).