نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٧ - ٣- كيف نبحث عن سعادة الآخرة في الدنيا؟
النظر عما سبق فانّ هذه الحياة القصيرة مليئة بأنواع المعاناة والألم والمشاق، ويكفي في ذلك أن نلقي نظرة عابرة على مستشفى لنرى مختلف الأمراض التي يعاني منها الأطفال والشباب والكهول، أو نتطلع أحد السجون ونشاهد عن كثب الأفراد الذين زجت بهم المظالم والشهوات والأخطاء والنزوات في ذلك المكان، ولكن مع ذلك أغلب الناس يتناسون كل هذه المسائل ليحصلوا على استقرار كاذب مزّيف، والاستقرار الذي يشبه ذلك الذي يشعر به الحيوان الذي يخفي جسده في الرمال مخافة الصيّاد، والحال يراه الصياد ويسارع إلى افتراسه.
ومن هنا فانّ الإمام عليه السلام يورد وصاياه في أغلب مواضع نهج البلاغة بهدف التنبيه إلى تلك الغفلة والنسيان المميت وايقاظ الضمير البشري الذي يغط في سبات عميق، وقد اتبع الإمام مختلف الأساليب من أجل تحقيق هذا الغرض فتارة يذكر الدنيا على أنّها دار عناء وفناء وغير وعبر وأخرى يذكر إنزوائها على أنواع الشدائد والمشاكل، كما يتطرق إلى قصر المسافة بين الحياة والموت، إلى جانب ذلك يلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة في عدم إمكانية عودة ما يتصرم من ساعات العمر، في حين يمكن تدارك كافة سائر النعم المادية، والحق لو تأمل كل إنسان مرّة واحدة في الاسبوع هذه الخطبة لما عانى من الغفلة قط.
٣- كيف نبحث عن سعادة الآخرة في الدنيا؟
ربّما يطلب الإنسان الدنيا من أجل إشباع أهوائه ورغباته إلى جانب الامتياز على الآخرين واستغلالهم واستعمارهم، كما قد يطلبها بهدف الحصول على الرفاه المتوازن، وأحياناً ينشدها بغية وفرة الإمكانات لخدمة الآخرين، أخيراً قد يريدها لترسيخ دعائم اقتصاد المجتمع الإسلامي وتحقيق مجده وعظمته ورفعته وإبعاده عن كافة أشكال التبعية للآخرين، ومن البديهي أنّ هذه الأهداف تتفاوت فيما بينها تفاوتاً تاماً.
فعلى ضوء الهدف الأول يتصف بأبشع الصفات الرذيلة، والثاني يتّجه نحو الأهداف