نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣ - القسم الأول التحذير من الدنيا
ثم واصل الإمام عليه السلام الكلام بهذا الخصوص من خلال طرحه على شكل سؤال، لينطلق الجواب عليه من باطن قلب المخاطب فيكون له أثره البالغ والعميق:
«فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ، وَعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ، وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ!».
لقد استعمل الإمام عليه السلام قمّة الفصاحة والبلاغة في هذه التشبيهات الثلاث، فقد شبّه بادىء الأمر الدنيا بدار خاوية بالية قد انفطرت جدرانها وأشرفت سقوطها على الانهيار، ثم شبّه عمر الإنسان بالأطعمة التي توضع على المائدة وتأخذ بالتناقص مع مرور الزمان إثر تناولها، وأخيراً شبّه فترة بقاء الإنسان في هذا العالم بالأسفار القصيرة التي لا يكاد المسافر يحث خطاه فيها حتى ينقطع أمدها.
ثم إختتم عليه السلام هذا القسم من الخطبة بثلاث وصايا خاطب بها الجميع فقال:
«اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ، وَاسْألُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقّهِ مَا سَأَلَكُمْ، وَأَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ».
فقد أوصى الناس في العبارة الاولى أن يهتم الناس على الأقل بالفرائض الشرعية بقدر طلباتهم الشخصية فيجدوا ويجتهدوا في هذا الأمر، لا أن يجعلوا الصدارة لحاجاتهم الدنيوية ويهمّشوا الفرائض الإلهيّة والواجبات الشرعية.
كما يحتمل أن يكون المراد اجعلوا التوفيق للإتيان بالفرائض والواجبات الشرعية من حاجاتكم وطلباتكم بين يدي اللَّه تبارك وتعالى، غير أنّ المعنى الأول يبدو هو الأنسب وذلك للإشارة إلى هذا المعنى والتي وردت في العبارة الثانية إذ قال:
«وَاسْألُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقّهِ»
، وعليه سيكون تفسير الجملتين تكرار لمفهوم واحد.
وأخيراً أشارت العبارة الثالثة إلى التأهب والاستعداد لمواجهة الموت من خلال أداء حقوق الناس والتوبة من الذنوب وتدارك ما فرط، وبخلافه فانّ الموت سيباغت الإنسان ويقذف به في عالم لم يعد العدّة لدخوله.