نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨ - القسم الثاني الآفات المظلمة من ورائكم
بل قد لا تكتفون بذلك:
«وَلَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَلَا خَالِفَ [١] عَلَيْهَا، وَلَهَمَّتْ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ، لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا».
فهذه العبارات تجسد حال الشخص الذي يبتلى بمصائب عظمية بحيث ينسى كل شيء سوى إنقاذ نفسه، فقد إتّجه صوب الصحراء ويتابع لطم وجهه ورأسه يسكب دموعه ويتعالى صراخه، كما يسعى إلى التخلي عن أموال رغم مالها من أهمّية لديه ومدى الجهود التي بذلها من أجل الحفاظ عليها، إلى جانب ذلك فهو لا يعير أهمّية لمن خلفه حتى أنّه لينسى أعزّته وبطانته.
ويرى بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ هذه العبارات ترتبط بأهوال يوم القيامة والتي وردت في مختلف الآيات القرآنية، لكن بالنظر إلى ذيل الخطبة الذي يتحدث عن جرائم الحجاج وسبب الخطبة الذي يفيد ضعف أهل الكوفة في جهاد العدو، فانّ المعنى المذكور يبدو بعيداً، والظاهر أنّها ناظرة إلى سلطة بني امية والجرائم المروعة التي إرتكبها الحجاج وأمثاله.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى المصدر الرئيسي الذي انبثقت منه هذه الحوادث:
«وَلَكِنَّكُمْ نَسِيْتُمْ مَا ذُكّرْتُمْ، وَأَمِنْتُمْ مَا حُذّرْتُمْ، فَتَاهَ [٢] عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ، وَتَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ».
لا ينبغي لكم أن تتصوروا أبداً بأنّ الحوادث الأليمة التي تنتظركم إنّما تأتيكم بغتة، كلا ليس الأمر كذلك، فقد حذرتكم مراراً، وأدّيت لكم حق الوعظ والنصح، وكشفت لكم المستور، ثم أنذرتكم، لكن للأسف لم تعيروا وعظي ونصحي آدانا صاغية، فقد نسيتم كل ما ذكرته لكم وتجاهلتم كل الإرشاد، ومن هنا لم تمارسوا ما ينبغي عليكم في موقعه وأوانه ولم تعدوا الخطط اللازمة للوقوف بوجه الأعداء فلم تكن نتيجة ذلك الذي لا مثيل له في التاريخ.
ثم قال الإمام عليه السلام:
«وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأَلْحَقْنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ».
إشارة إلى أنّه طالما تعذر إصلاحكم فيا ليتني فارقتكم، وليت القدر الإلهي أذن بالتحاقي
[١] «خالف»: من مادة «خلوف» من يخلف في الأهل والمال حين الخروج إلى السفر أو الحرب، كما وردتبمعنى الفرد الكثير الخلاف، إلّاأنّ المراد هنا هو المعنى الأول.
[٢] «تاه»: من مادة «تيه» الحيرة والقلق.