نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٤ - القسم الأول التحذير من الفساد الاجتماعي
وفساد المجتمع فقال:
«عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّكُمْ- وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنيَا- أَثْوِيَاءُ [١] مُؤَجَّلُونَ،
وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ: أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، وَعَمَلٌ مَحْفُوظٌ».
فقد شبّه الإمام عليه السلام وضع أهل الدنيا بهذه العبارة بالضيوف الذين دعوا لمدّة معينة في ضيافة، وبالأفراد المدينين الذين لا يتركهم دائنوهم، فمن الطبيعي ألا يرى الضيف دار المضيف محطته الأبدية، فهم لا يتعلق بها أبداً ولا يثق بها ولا يحرص عليها، وليس الشخص المدين الذي يتابع دائماً من قِبل الدائن من سبيل سوى منحه كل ما يجد بالتدريج، أملًا بأن يأتي اليوم الذي يكون قد سدد فيه كل دينه، كأنّ العمر الذي منحنا اللَّه تعالى من ديوننا التي تؤخذ منّا كل لحظة، والمشكلة المهمّة أنّ إلى جانب ذلك العمر المتقلب والذي ينقضي بسرعة أعمالنا التي نقوم بها والتي تحفظ ويجب علينا تحمل تبعاتها.
ورى بعض شرّاح نهج البلاغة عن بعض الصلحاء قوله:
«مَا أَدرِي كَيفَ أَعجَبُ مِنَ الدُّنيا! أَمن حُسنِ مَنطَرِها وَقُبحِ مَخبَرِها أَم مِنْ ذَمِّ النَّاسِ لَها وَتَناحُرِهُم عَلَيها»[٢].
واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«فَرُبَّ دَائِبٍ [٣] مُضَيَّعٌ، وَرُبَّ كَادِحٍ [٤] خَاسِرٌ».
صحيح أنّ السعي والجهد رمز الموفقية والنجاح، إلّاأنّ هذا ليس قانوناً كلياً، فهناك الأفراد الذين أفنوا عمرهم في السعي والجد وأجهدوا أنفسهم ليل نها ولم يظفروا بشيء، وهذا أحد إحباطات الإنسان في الحياة الدنيا، ولعل العبارة إشارة إلى السعي المتعلق بالأمور المادية أوالمعنوية، لأنّهم كثيرون هو الأفراد الذين أجهدوا أنفسهم من أجل الوصول إلى المقامات المعنوية والنجاة الاخروية، ولكن تسللت إليهم أهواء النفس ووساوس الشيطان في اللحظات الحساسة فاشتعلت النيران في مزارع طاعتهم وأحرقت كل شيء، ثم أشار إلى الأوضاع المزرية لزمانهم وإقبال الناس على المساوىء وفرارهم من الصالحات فقال:
«وَقَدْ
[١] «أثوياء»: جمع «ثوي» على وزن قوي بمعنى الضيف وفي الأصل من مادة «ثواء» بمعنى الإقامة في مكان.
[٢] شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ٨/ ٢٤٧.
[٣] «دائب»: من مادة «دؤوب» على وزن غروب المداوم في العمل.
[٤] «كادح»: من مادة «كدح» على وزن مدح الساعي بجهد ومشقة في القيام بعمل.