نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥ - القسم الخامس الاعتبار بالموتى
القسم الخامس: الاعتبار بالموتى
«فَاعْلَمُوا- وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا. وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِيْنَ قَالُوا: «مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً». حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً. وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ، وَمِنْ التُّرَابِ أَكْفَانٌ، وَمِنْ الرُّفَاتِ جِيرانٌ، فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً، وَلَا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً. إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا، وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا.
جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ، وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ. مُتَدَنُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ، وَقَرِيبُونَ لَا يَتَقَارَبُونَ. حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ. وَجُهَلَاءُ قَدْ مَاتَت أَحْقَادُهُمْ، لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ، وَلَا يُرْجَى دَفْعُهُمْ، اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْنَاً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالْأَهْلِ غُرْبَةً، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً. فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا، حُفَاةً عُرَاةً، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقيَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
«كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ»».
الشرح والتفسير
إختتم الإمام عليه السلام خطبته بالحديث مرّة أخرى عن تقلب أحوال الدنيا وغدرها وتنكرها لمن تعلّق بها، إلى جانب الكلام عن المصير الحتمي الذي ينتظر كل إنسان والذي يتمثل بمفارقة الدنيا والرحيل إلى عالم الآخرة، فقال عليه السلام: «فَاعْلَمُوا- وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ [١] عَنْهَا».
[١] «ظاعنون»: من مادة «ظعن» على وزن دفن بمعنى السفر والرحيل.