نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - القسم الثاني موت السنن بظهور البدع
وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ [١]. إِنَّ عَوَازِمَ [٢] الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا [٣] شِرَارُهَا».
فقد اتضحت حقيقة ما قيل في هذه العبارة في كيفية ترك سنّة حين ظهور بدعة، وكيف تكون البدعة شرّ الامور، لأنّه لو سمح للأفراد أن ينقصوا من الدين شيئاً أو يضيفوا له شيئاً على ضوء ذوقهم وفكرهم القاصر، لما بقي من أحكام الدين وتعاليمه شيئاً خلال مدّة وجيزة ولإنقلب كل شيء رأساً على عقب، وفقد اعتباره وأصالته، ولإستبدلت التعاليم الأصلية للدين بسلسلة من الأفكار المنحرفة والواهية ولحل السراب محل العين الزلال، طبعاً إن كان التجدد وليد البحث والتحقيق والدقيق في أدلة أحكام الشرع وكشف حقائق حديثة من خلال الكتاب والسنّة والدليل القاطع للعقل، فليس هذا من البدعة في شيء فحسب، بل سيكون سبب رفعة الدين وإزدهاره.
وبعبارة أخرى: فانّ الكشف شيء جديد، أمّا المكشوف فهو موجود سابقاً في الدين، أمّا إن كان الذوق الشخصي والاستحسان الظني هو دعامة وأساس التجدد فليس له من نتائج سوى الظلال ومسخ الصورة الحقيقية الناصعة للدين ويتضح ممّا مرّ معنا عدم صواب ما أورده شرّاح نهج البلاغة للعبارة المذكورة من أن كلّ بدعة خلاف لسنّة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الذي حرم البدعة، وعليه فالسنّة تترك بظهور البدعة، بل المراد أنّ لكل موضوعه في الإسلام حكم، وكل بدعة تعارض ذلك الحكم، إذن فبظهور البدع تترك الأحكام الأصلية للدين- كما تبيّن جسامة خطأ ما أورده بعض شرّاح نهج البلاغة مثل ابن أبي الحديد الذي قسم البدع إلى حسنة وسيئة، فاعتبر مثلًا صلاة التراويح (تلك الصلاة المتسحبة التي كان يصليها الناس فرادا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في ليالي رمضان وقد ابتدع عمر أن تصلى جماعة) من البدع الحسنة،
[١] «المهيع»: من مادة «هيع» على وزن رأي بمعنى الطريق الواسع والواضح.
[٢] «عوازم»: جمع «عازمة أو عوزم» على وزن جوهر تعني في الأصل المسن من الإنسان أوالحيوان وتطلق على كل شيء قديم، وتعني هنا الأمور التي كانت موجودة منذ زمان النبي وأصالتها ثابتة في الدين.
[٣] وردت حدثات بكسر الدال في النسخة المعروفة لصبحي الصالح فلها معنى اسم الفاعل، وردت مفتوحة في أغلب النسخ بمعنى الحدوث وهذا هوالصحيح.