نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - القسم الثالث العبر والاعتبار
سوى الكفن، بل ربّما لم يحملوا حتى ذلك الكفن، فتكون ثيابهم أكفانهم وبيوتهم قبورهم.
ورد في البحار عن العلّامة المجلسي أنّ علي عليه السلام قال:
«كَمْ مِنْ غافِلٍ يَنْسَجُ ثَوباً لِيَلْبَسَهُ وَإِنَّما هُوَ كَفَنُهُ وَيَبْنِي بَيتَاً ليَسكُنَهُ وَإنَّما هُوَ مَوضِعُ قَبرِةِ» [١].
ثم خاض الإمام عليه السلام في شرح الصفة الثالثة للدنيا فقال:
«وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً؛ لَيْسَ ذلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَ [٢]، وَبُؤْساً نَزَلَ».
حيث رأينا كراراً ليس في صفحات التاريخ فحسب، بل في حياتنا اليومية عدّة أفراد كانوا من أهل السطوة وقمة القدرة حتى يتمنى الجميع الحصول على شيء من قدرتهم، لكنّهم هووا في مستنقع السقوط بما جعل الكل يترحم عليهم، وبالعكس فإننا نعرف بعض الأفراد ممن يشعر من يراهم بالأسى والحزن لصعوبة أوضاعهم ومعاناتهم، بينما تسلقوا فجأة سلّم القدرة ليحظوا باعجاب الجميع وغبطتهم.
نعم، لم يكن «قارون» لوحده الذي استعرض يوماً كل تلك القدرة و الثروة التي خطفت أبصار قصار النظر من بني اسرائيل الذين اعتراهم الحسد والأمل، فتمنوا الحصول على تلك الثروة بدله، ولم تمض مدّة حتى شقت الأرض لتبتلع كل كنوزه وثرواته، ممّا دفع من تمنى تلك الثروة إلى شكر اللَّه أن لم يجعلهم بدلًا منه ولم يغدق عليهم الثروة والسطوة، أجل لقد تكررت هذه الصورة مراراً في التاريخ ثم قال عليه السلام في الصفة الرابعة للدنيا والتي تختص بكونها عبرة:
«وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ. فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ وَلَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ».
فأحياناً يعدّ الإنسان عدّة مقدمات بغية الحصول على المال والثروة أو الجاه والمنزلة ولا يكاد يقترب من الوصول إلى أهدافه حتى يتخطفه الموت فيقضي على جميع طموحاته ورغباته ويحول دون تحقيقها، بل لا يدوم له حتى المال الذي يجنيه والمنصب الذي يشغله.
ثم يعرب الإمام عليه السلام في آخر كلامه عن وحشته لمن يغترّ بمثل هذه الدنيا المليئة بالفناء والعناء والموصوفة بالغير والعبر:
«فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَأَظْمَأَ رِيَّها [٣] وَأَضْحَى
[١] بحار الانوار ٦/ ١٣٢.
[٢] «زلّ»: من مادة «زل» على وزن حل بمعنى الانزلاق والسقوط.
[٣] «ريّ»: بمعنى الارتواء.