نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٨ - القسم الأول تجلي اللَّه لعباده في القرآن
العبارتين مفهوم واسع يشمل كل معبود غير اللَّه سبحانه وتعالى ويضم شياطين الانس والجن، وبناءاً على هذا يدخل في مفهوم هذه الجمل التسليم لحكام الظلم والجور وطاعة أوامرهم والاستسلام للاستعمار والاستغلال والانصياع للقوانين غير الشرعية، وهذا هو هدف البعثة والذي يتمثل بالتحرر من كل هذه الأمور.
نقل المرحوم الكليني في الكافي العبارات المذكورة بهذه الصيغة:
«إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعالى بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه و آله بِالحَقِّ لِيُخرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَة عِبَادِهِ إِلى عِبَادَتِهِ وَمِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلى عُهُودِهِ وَمِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلى طَاعَتِهِ وَمِنْ وِلايَةِ عِبَادِهِ إِلى وَلايَتِهِ» [١].
وهكذا بيّن الإمام الهدف الأصلي لبعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والذي تعود إلى سائر الأهداف بهذه العبارات المختصرة وقد أماط كل إبهام.
ثم أشار عليه السلام إلى الوسيلة اللازمة لتحقيق هذا الهدف السامي فقال:
«بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَلِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ، وَلِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ».
لا شك أنّ مشركي العرب كانوا يؤمنون باللَّه ويعترفون بوجوده وأنّه خالق السماوات والأرض ويرون الأوثان شفعائهم إليه، ولكن ليس لهذا الاعتقاد الممزوج بالشرك أية قيمة، وقد بعث اللَّه نبيّه الأكرم صلى الله عليه و آله ليطهّر أرواحهم وأفكارهم من أدران الشرك والوثنية ويشدهم نحو التوحيد والعبودية الخالصة، وهذا في الواقع وظيفة كافة الأنبياء والمرسلين في تطهير التوحيد من رواسب الشرك.
وقال عليه السلام في تعريفه للقرآن وآثاره البنّاءة في الفكر والعمل:
«فَتَجَلَّى [٢] لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي
كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ، بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ».
والعبارة إشارة إلى آيات التوحيد وبيان أسماء اللَّه وصفاته والتي تفعل مثل هذا الفعل في الإنسان حين يتأملها وكأنّه يرى اللَّه سبحانه وتعالى جهرة، نعم يراه ولكن بالبصيرة لا
[١] الكافي ٨/ ٣٨٦.
[٢] «تجلى»: من مادة «تجلي» وأصل جلو على وزن دلو بمعنى الظهور والبروز، وتجلى اللَّه بمعنى أنّ آياتهعلى درجة من الوضوح وكأنّه يمكن رؤيته من خلالها.