نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - القرآن الناطق
ذا الأعمدة القوية أصحابه من مخاطر الحوادث والحرارة والبرودة والحيوانات الوحشية والأعداء واللصوص، فانّ القرآن الكريم يتكفل بحفظ أتباعه من الانحراف والضلال ووسوسة الخناسين وإلقاءات الشياطين.
وأشار في العبارة الثالثة إلى هذده الحقيقة وهى أنّ قدرة الإنسان لا تقهر إن لاذ بالقرآن وهبّ لنصرته، وذلك لأنّ قدرة هداية القرآن تستند إلى قدرة اللَّه سبحانه وقدرة اللَّه قاهرة لا تغلب، وبفعل مصداق الآية الشريفة: «إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ...» [١]، فمن تأيد بنصر القرآن لن يهزمه عدو.
القرآن الناطق
لعل العبارة التي وردت في هذا المقطع من الخطبة والتي عبّرت عن القرآن الكريم بأنّ
«نَاطِقٌ لَايَعْيَا لِسَانُهُ»
تشير هذا السؤال: كيف التوفيق بين هذه العبارة وما ورد عن الإمام في الخطبة ١٥٨ بشأن القرآن إذ قال عليه السلام:
«ذلِكَ الْقُرْآنُ، فَاسْتَنْطِقُوهُ، وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ».
وكذلك العبارة التي وردت في الخطبة ١٨٣ إذ قال عليه السلام:
«فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِتٌ نَاطِقٌ»، أو ليس
هناك من تضاد بين هذه العبارات؟
تتضج الإجابة على هذا السؤال من أدنى دقّة وتأمل، بعبارة أخرى فانّ العبارات المذكورة تفسر بعضها البعض الآخر، لأنّ القرآن حين يعبر عن القرآن بالصامت والناطق فمفهوم ذلك أنّ كل تعبير ناظر لشيء، مثلًا يمكن القول: القرآن صامت من حيث الظاهر، لكنّه في الواقع تحدث بصوت جلي بليغ، أو أنّه صامت إزاء الأفراد السطحيين بينما ناطق هو تجاه العلماء المفكرين، أو أنّه ناطق في مواصلة الطرق العملية الأصولية، أمّا بالنسبة لتطبيقها على مصاديقها استنباط الأحكام الفرعية (كقضية التحكيم في حادثة معركة صفين)، فيجب على المجتهدين أن ينطقوا عنه، ويمكن جمعها معاً في مفهوم جامع لكلام علي عليه السلام وسيأتي مزيد من التوضيح في ذلك هذه الخطبة.
[١] سورة آل عمران/ ١٦٠.