نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣ - القسم الثالث العبر والاعتبار
القسم الثالث: العبر والاعتبار
«ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ، وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ؛ فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ، لَا تُخْطِيءُ سِهَامُهُ، وَلَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ. يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَالصَّحِيحَ بِالسَّقْمِ، وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ. آكِلٌ لَا يَشْبَعُ، وَشَارِبٌ لَا يَنْقَعُ. وَمِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ وَيَبْنِي مَالا يَسْكُنُ. ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا مَالًا حَمَلَ، وَلَا بِنَاءً نَقَلَ. وَمِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً، وَالْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً؛ لَيْسَ ذلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ، وَبُؤْساً نَزَلَ. وَمِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ. فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ وَلَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَأَظْمَأَ رِيَّها وَأَضْحَى فَيْئَهَا، لَا جَاءٍ يُرَدُّ، وَلَا مَاضٍ يَرْتَدُّ. فَسُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ، وَأَبْعَدَ الْمَيّتَ مِنَ الْحَيّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ!».
الشرح والتفسير
لما كان الانغماس في الدنيا والتكالب عليها وفقدان النفس لتوازنها إزاء زخارف عالم المادة من أهم العوامل لعدم التقوى، فقد ورد الحديث هنا عن تفاهة الدنيا وتقلب أحوالها وما تنطوي عليه من شدائد ونوازل بهدف اجتثاث جذور التحلل وعدم استشعار الورع والتقوى فقال عليه السلام:
«ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعَنَاءٍ، وَغِيَرٍ وَعِبَرٍ».
حيث تشير العبارة إلى أربع خصائص تمتاز بها الدنيا والتي يقود التفكير بها الإنسان إلى التعرف على الصورة الحقيقية للدنيا، ثم خاضت العبارات التالية في شرحها الواحدة بعد