نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٢ - القسم الأول الردّ على الخوارج
إشارة إلى أنّ القرآن الكريم بيّن طائفة من الأحكام الكلية وعلى العالمين بالقرآن استنباط الأحكام الجزئية وإبلاغها إلى عموم الناس، أو بعبارة أخرى تطبيق تلك الكليات على المصاديق، على سبيل المثال قال القرآن الكريم: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [١].
لا شك أنّ معركة صفين أحد مصاديق هذه الآية، ووظيفة الحكمين- إن كانا على الصواب وعالمين بالامور- أن يقولا: لمّا بايع الناس علياً عليه السلام إضافة إلى نص النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عليه فانّ عامة الامة والصحابة قد قبلت خلافته، فمن سلك غير هذا السبيل كان مصداقاً للباغي والظالم وعليه العودة إلى الامة و التوبة، فان أبى وجب على المسلمين مقاتلته حتى يرعوي عن غيه.
ومسألة التحكيم لا تشذ عن هذا الأمر، فهى ليست سوى ما يقوم به قضاة الإسلام، أي أنهم يطبقون أحكام الكتاب والسنّة على مصاديقها ويصدرون الأحكام بهذا الخصوص، فهل هناك من اعتراض على هذا الكلام؟ للأسف لم يدرك الخوارج الجهال هذا المطلب الواضح ولم يدعهم تعصبهم وجهلهم ليفهموا ذلك فيعوا الهدف الأصلي من الحكومة.
ثم خاض الإمام عليه السلام في توضيح هذا المعنى قائلًا:
«وَلَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ:
«فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» [٢]».
فوضح الإمام عليه السلام الآية بالقول: «فَرَدُّهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ، وَرَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ؛ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِهَا».
ومن هنا فقد أثبت الإمام عليه السلام بوضوح أنّ تحكيم الكتاب والسنّة لا تعني سوى الرجوع إليهما، ولما كنّا مأمورين بهذا الأمر، فليس لأحد أن يعترض علينا لم قبلنا التحكيم، فخطأ
[١] سورة الحجرات/ ٩.
[٢] سورة النساء/ ٥٩.