نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - المسافة بين الحق الباطل
أحداً بحسن السيرة والورع والتقوى كان عليه أن يوقن بخطأ ما يقال فيه من أمور مخالفة، لأنّ الموارد المشكوكة غالباً ما تحمل على الموارد المعلومة وعلى حدّ التعبير المشهور:
«الظَّنُّ يَلحَقُ الشَّيءَ بِالأَعَمِّ الأغلَبِ»
، وبالطبع فانّ هذا الكلام لا يعني قبولنا لغيبة الأفراد وتتبعهم لعورات الآخرين الذين ليس لهم من سابقة، بل الهدف مضاعفة التأكيد بالنسبة للأفراد من ذوي السوابق الحسنة، بحيث لا ينبغي التصديق مطلقاً بما يقال بشأن اولئك.
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى وهى لو فرضنا أنّ المتكلم كان صادقاً، ولكن من الموقن به أنّه ليس بمعصوم، وعليه فالخطأ محتمل من جميع الناس سوى المعصومين، وعليه فلا ينبغي تصديق المقابل بكل سهولة في ما ينسبه إلى الآخرين، ناهيك عن عدم مطابقة الظن والحدس إلى الواقع على الدوام، فقال:
«أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي، وَتُخْطِئُ السِّهَامُ»،
أضف إلى ذلك وعلى ضوء كلام الإمام عليه السلام:
«وَيُحِيلُ [١]
[ [يُحيك]]
الْكَلَامُ، وَبَاطِلُ ذلِكَ يَبُورُ [٢]، وَاللَّهُ
سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ»، في
إشارة إلى أنّ أغلب الناس لا يلتزمون بكلام الحق ويتفوهون بكل ما يرد على ألسنتهم، ومن هنا لا ينبغي قبول ما ينسبونه إلى الآخرين من عيوب، فقد يكون ذلك من الأقوال الباطلة التي تنسب إلى الأفراد دون تريث.
ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة أخريس فقال:
أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ».
وفي هذه الأثناء سأله أحد الحاضرين:
«عَنْ مَعْنى قولِهِ هذَا، فجمع أَصابِعَهُ وَوَضعهَا بين أُذُنِهِ وَعَيْنِهِ ثمَّ قَالَ: الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ: سَمِعْتُ، وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ: رَأَيْتُ!».
فالعبارة في الواقع إشارة إلى الشائعات التي تتناقها الألسن فيطالعك هذا وذاك وهم يرددون يقال كذا ويقال كيت وليس الأمر سوى شائعات لا أساس لها، وقد قال عليه السلام لا تلتفتوا إلى الشائعات ولا تنسبوا إلى الآخرين ما لا ترون، ومن هنا تتضح الإجابة على السؤال الذي أورده أغلب شرّاح نهج البلاغة ومفاده: إنّ الآيات القرآنية والوحي السماوي وسنّة النبي
[١] «يحيل»: من مادة «إحالة» كل تغير أو حركة تخرج عن الحق والاستقامة وتحيل إلى الانحراف و الاعوجاح.
[٢] «يبور»: من مادة «بوار» تعني في الأصل شدّة كساد الشيء وحيث يبعث ذلك على الفساد حسبما ورد في المثل كسد حيا فسد فقد اطلقت هذه المفردة على الفساد ومن ثم الهلكة.