نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - القسم الثالث رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله
القسم الثالث: رسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه و آله
منهَا: «أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَتَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ، فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ، وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ، فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ بِهِ».
الشرح والتفسير
تحدّث الإمام عليه السلام في المقطع الأول والثاني عن صفات اللَّه سبحانه والقرآن الكريم، ثم أشار هنا بعبارات قصيرة عميقة المعنى إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في أنّ اللَّه تعالى أرسله بالإسلام بعد مدّة وفترة من الرسل السابقين حين كان النزاع قائماً على قدم وساق بين الأفراد في دفاع كل عن معتقده فقال:
«أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ [١] مِنَ الرُّسُلِ، وَتَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ».
فالعبارة:
«تَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ»
، إشارة إلى أنّ الحوادث التي تدور بين أتباع المذهب المختلفة بما فيهم عبدة الأوثان وأهل الكتاب ومن ليس له دين وعقيدة، لم تكن حوارات منطقية ذات محتوى فكري وعقلي، بل كان كل يسطّر بعض الألفاظ بدافع التعصب لإثبات أحقيقته، بل كان هذا النزاع والاختلاف اللفظي أحياناً مصدر معارك طاحنة وسفك دماء غزيرة.
ثم قال عليه السلام:
«فَقَفَّى [٢] بِهِ الرُّسُلَ، وَخَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ»،
فقد أشار الإمام إلى نقطتين: الأولى أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله واصل مسيرة الأنبياء الماضين، وذلك لأنّ مسرتهم بصورة كلية واحدة، والثانية أنّه بلغ بتعاليمهم الكمال وختم بهم النبوّة، ثم إختتم كلامه عليه السلام بالقول:
«فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ، وَالْعَادِلِينَ [٣] بِهِ».
[١] «فترة»: وفتور تعني في الأصل الهدوء والاستقرار وتأتي أحياناً بمعنى الضعف والفتور، وتطلق على الفاصلة بين حركتين أو حادثتين أو انقلابين، ومن هنا عبروا بالفترة عن الفاصلة بين ظهور الانبياء.
[٢] «قفى»: من مادة «قفا» بمعنى ظهر، كما ورد بمعنى خلف الشيء في المجيىء.
[٣] «العادلين»: جمع «عادل» من مادة عدل على وزن فكر بمعنى المعادل والشبيه والمثيل وإن وردت من مادة عدل على وزن نظم عنت العدالة، ومن مادة العدول بمعنى الانحراف والرجوع عن الشيء، وعليه فالعادل على ثلاثة معاني، وأريد بها المعنى الأول في الخطبة (لابدّ من الالتفات إلى أنّ المعنى الأول يتعدى عادة بالباء والمعنى الثالث بواسطة عن).