نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٤ - القسم الثالث خصائص ذلك الحاكم الدموي
ثم قال:
«فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ [١]، وَفَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّؤُوسِ. قَدْ فَغَرَتْ [٢]
فَاغِرَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ، بَعِيدَ الْجَوْلَةِ [٣]، عَظِيمَ الصَّوْلَةِ [٤]».
ثم أقسم قائلًا:
«وَاللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ [٥] فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ حَتَّى لَايَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ».
فهذه الصفات التسع لذلك الحاكم الدموي المقتدر والتي تكشف عن شخصه بصورة تامة تشير إلى أنّه يدك أهل الإيمان دكاً بحيث لا يبقى منهم إلّاالقليل، فهو يكتم الأنفاس في الصدور ويخنق كل حركة ونشاط، ويستولي على البلاد بعد سفكه للدماء وانطلاقه من الشام إلى الكوفة ثم سائر المناطق، أمّا من هو هذا الشخص الذي يتصف بهذه الصفات؟ هناك رأيان لشرّاح نهج البلاغة، رأي يراه عبدالملك بن مروان خامس خلفاء بني أمية، كان جباراً طاغياً ودموياً، فقد تحرك بجيش عظيم من الشام ليقضي على مصعب بن الزبير الذي كان يحكم الكوفة، فاستولى على العراق والكوفة، ثم وجه جشياً بقيادة الحجاج إلى الحجاز فقتل عبد اللَّه بن الزبير فسيطر على مكة والمدينة، كما هدم جانباً من الكعبة بعد أن لاذ بها جمع من جيش عبداللَّه بن الزبير.
والرأي الآخر أنّ ذلك الشخص هو السفياني الذي يسبق ظهور الإمام المهدي عليه السلام حيث يظهر في الشام ويسفك الدماء ويدعو الناس إلى نفسه، وبالنظر إلى أنّ الأقسام السابقة من الخطبة بشأن ظهور الإمام المهدي عليه السلام لذلك يبدو أنّ هذا القسم في الظهور أيضاً، والعبارات المذكورة إشارة إلى ظهور السفياني.
وقد ورد في الخبر عن حذيفة بن اليمان أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أشار إلى فتنة بين أهل الشرق والغرب فيخرج السفياني حتى يرد دمشق فيبعث بجيش إلى الشرق وآخر إلى المدينة حتى
[١] «ضروس»: من مادة «ضرس» بمعنى عض الشيء والضغط عليه، وتطلق الضروس على الناقة السيئةالخلق التي تعض حالبها.
[٢] «فغرت»: من مادة «فغر» على وزن فقر بمعنى فتح الفم، وهي هنا كناية عن الحرص في الاستيلاء على كل شيء، وافغر اسم فاعل من هذه المادة.
[٣] «جولة»: من مادة «جول» على وزن قول بمعنى الحركة والدوران حول مكان، وهى كناية عن السعيوالجهد المتواصل.
[٤] «الصولة»: من مادة «صول» على وزن قول بمعنى الحملة في الحرب أو القفز علي شيء.
[٥] «ليشردنكم»: من مادة «تشريد» بمعنى النفي والطرد والتفريق.