نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - القسم الأول التحذير من الفساد الاجتماعي
أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لَايَزْدَادُ الخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَاراً، وَلَا الشَّرُّ فِيهِ إِلَّا إِقْبَالًا، وَلَا الشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً. فَهذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ، وَعَمَّتْ مَكِيدَتُهُ، وَأَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ [١]».
فهذه العبارات الصريحة والواضحة تشير إلى مدى سقوط الوضع الأخلاقي للمسلمين في ذلك العصر والزمان بفعل الحكومات المستبدة، ومدى الوسط المضحك الذي واجهه الإمام عليه السلام في عهده، نعم إن فسد مسؤولوا البلاد ومن كان على رأس الحكومة فانّ الفساد سيشمل كل شيء
«النّاس عَلى دينِ مُلُوكِهِم».
فما الذي يمكن توقعه من الناس إن وزع الخليفة أموال بيت المال المسلمين على بطانته، وولى قرابته الطالحة ونصبهم في المواقع الحساسة، وتعاطى عامله الشراب علانية ليدخل المحراب فيصلي بالناس جماعة ثملًا، ويمارس الآخرون الرذيلة والأعمال البشعة، أو ليست سلطة الشيطان بالتكالب على الدنيا وإبتاع الأهواء؟
نعم، إنّ سادت هذه الأمور تيسرت حكومة الشيطان، فقد ورد في الخبر أنّ ابن عمر وبعض ولد أبي بكر وسعد بن أبي وقاص قصدوا علياً عليه السلام حين خلافته وسألوه زيادة العطاء من بين المال، فصعد عليه السلام المنبر وخطب الناس قائلًا:
«... إذا مَنعتُهُم مَا كانُوا فِيهِ يَخُوضُونَ وَصَيّرتُهُم إلى مَا يَستَوجِبُونَ فَيَفقِدون ذَلكَ فَيسأَلُونَ وَيَقُولُونَ: ظَلَمنا ابنُ أبي طالبٍ وَحَرَمنا وَمَنعنا حُقوقَنا- إلى أن قال- أَمّا أَنَّي أَعلَمُ الّذي تُرِيدُونَ وَيُقِيمَ أَودكم، وَلَكن لا أَشتَري صَلاحَكُم بِفَسادِ نَفسِي ...» [٢].
ثم قال:
«اضْرِبْ بِطَرْفِكَ [٣] حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلْ تُبْصِرُ
[ [تنظر]]
إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ [٤]
فَقْراً، أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً، أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً [٥]، أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَ
[١] «فريسة»: من مادة «فرس» على وزن قرض بمعنى الصيد.
[٢] اصول الكافي ٨/ ٥٥١.
[٣] «طرف»: وردت أحياناً بمعنى العين، وأخرى حركة جفن العين، كما استعملت بمعنى النظر لأنّ الأجفانتتحرك حين النظر.
[٤] «يكابد»: من مادة «كبد» بمعنى تحمل المشقة وهذا هو المعنى المراد بها في العبارة، كما وردت بمعنى الجعل في المشقة.
[٥] «الوفر»: بمعنى الوفير والكثير.