نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥ - القسم الثاني صفات الزهّاد في الدنيا
القسم الثاني: صفات الزهّاد في الدنيا
«إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا، وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا، وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتُبِطُوا بِمَا رُزِقُوا. قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ، وَالعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ. فَلَا تَوَازَرُونَ وَلَا تَنَاصَحُونَ، وَلَا تَبَاذَلُونَ وَلَا تَوَادُّونَ».
الشرح والتفسير
أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى ثلاث نقاط تكمل المقطع المذكور من الخطبة وتؤكّده، وهى مقدمة للقسم القادم من الخطبة.
فقد إتّجه أولًا إلى وصف الزهّاد في الدنيا ليتضح وضع كل فرد من خلال مقارنة أحوال المخاطبين مع أحوال اولئك، فذكر ثلاث خصائص يتحلى بها الزهّاد قائلًا:
«إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَإِنْ ضَحِكُوا».
صفتهم الثانية تكمن في شدّة حزنهم رغم فرحهم وسرورهم:
«وَيَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَإِنْ فَرِحُوا».
وأمّا صفتهم الثالثة فهم ناقمون على أنفسهم ساخطون عليها (وهم ليسوا راضين عن أعمالهم وطاعاتهم) رغم شكرهم اللَّه سبحانه وتعالى على موفور الرزق والنعمة:
«وَيَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَإِنِ اغْتُبِطُوا [١] بِمَا رُزِقُوا».
[١] قرأها أغلب شرّاح نهج البلاغة مبنية للمجهول بينما قرأها البعض الآخر مبنيّة للمعلوم ففهموا من العبارة شبيه ما ذكر، والحال يتبيّن من الرجوع إلى المتون اللغوية أن للإغتباط معنى آخر هو السرور وحمد اللَّه وشكره على نعمة (انظر لسان العرب والقاموس وسائر المصادر اللغوية).