نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١ - القسم الرابع تأملوا الماضي قليلًا
بِالْقَوَارِعِ [١]، وَضَعْضَعَتْهُمْ [٢] بِالنَّوَائِبِ، وَعَفَّرَتْهُمْ [٣] لِلْمَنَاخِرِ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ [٤]، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ [٥]».
فهذه العبارة المؤثرة تشير إلى أنّ الدنيا ليس فقط لم تقدم العون والمساعدة لعبادها وأصحابها، بل سارعت بكل ما أوتيت من وقوّة لتوجيه ضرباتها الماحقة إليهم بغية إبادتهم، وإستئصال شوكتهم، حتى جندت جميع قواها وطاقاتها ضدهم.
والطريف في بيان الإمام عليه السلام هو أنّه بدأ من المراحل الكبرى نزولًا إلى الصغرى في إطار تصويره لإعانة الدنيا وما يمكنها أن تقدمه من نصرة ومساعدة، بينما تدرج في أضرارها التي تصيب من تعلق بها من المراحل السفلى إلى المراحل العليا المتمثلة بالانقضاض عليهم وإزالتهم من صحفة الوجود، ولعمري هذه قمة الفصاحة والبلاغة في بيان الحقائق المريرة والأليمة ويكشف النقاب عن مدى وضاعة الدنيا وانحطاطها وتنكرها لمن أخلد إليها واطمأن بها.
ثم خلص عليه السلام إلى نتيجة ممّا سبق مفادها تنكر الدنيا لأصحابها ممن آثرها على كلّ شيء وهو الأمر الذي رأوه بأم أعينهم (أو لعلهم طالعوه بشأن الامم التي سبقتهم) فقد سلمتهم للأقدار وساقتهم نحو الموت دون أن يعدّوا الزاد والمتاع لتلك الدار الآخرة:
«رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ [٦] لَهَا، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ».
فهل أمدتهم هذه الدنيا بشيء سوى الجوع والفقر؟ وهل عرضتهم سوى للتعب والارهاق
[١] «قوارع»: جمع «قارعة» بمعنى المحن والدواهى.
[٢] «ضعضعت»: من مادة «ضعضعة» بمعنى الذلة والهوان، كما تأتي بمعنى الإبادة.
[٣] «عفرت»: من مادة «التعفير» كبتهم على مناخرهم في العفر وهو التراب.
[٤] «المناسم»: جمع «منسم» يكسر الميم وهو مقدم خف البعير.
[٥] «ريب المنون»: الريب الشك الذي يكشف عنه الغطاء آخر لأمر ويبلغ اليقين، والمنون يعني الموت، وريب المنون الموت المحتمل ويراد بها أحياناً مكاره الدهر التي تكون في البداية مشكوكة ثم يحصل بها اليقين.
[٦] «أخلد»: من مادة «إخلاد» وأصلها من الخلود، والعبارة أخلد إليها بمعنى الركون، أي أنّ أصحاب الدنيا قد أبدوا منتهى الرغبة بالدنيا وكأنّهم التصقوا بها.