نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢ - القسم الرابع تأملوا الماضي قليلًا
والضنك؟ وهل وهبتهم إلّاالظلمة التي ليس معها نور؟ (أبداً، بل أودعتهم حفراً مظلمة موحشة تفيض رعباً وخشية)، وهل بقي لديهم من شيء سوى الحسرة والندم:
«وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ [١]، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ!».
فكيف الوثوق بهذه الدنيا التي لا تضمر لمن تعلق بها سوى البؤس والشقاء والهزيمة والفشل والظلمة، ولا تعقبه سوى الندم؟! أم كيف له التضحية بالغالي والنفيس في سبيل الحصول على بعض حطام الدنيا وجعلها هدفاً في حياته؟!
ومن هنا تساءل الإمام عليه السلام مستنكراً:
«أَفَهذِهِ تُؤْثِرُونَ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟ فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا!».
حقاً، ليست هناك من عبارات أوضح وأفصح من هذه العبارات التي وردت بشأن تفاهة الدنيا والمصير والعاقبة المريرة التي تنتظر من تعلق بها وسكن إليها، وهدف الإمام عليه السلام من هذه التأكيدات المتواصلة والعبارات المنبهة الشديدة إلى الوقوف بوجه الريح الدنيوية العاتية، وما إنطوت عليه من نعم جمّة أفرزتها قضية الفتوحات الإسلامية والتي إستهوت قطاعات واسعة من المسلمين لتقذف بهم في أتون الرفاهية والراحة والدعة بما ينسيهم القيم والمثل والمبادىء السماوية الخالدة، ويجعلهم يغطّون في سبات الغفلة، علّهم يفيقون إلى أنفسهم ويعودون إلى رشدهم فيهبوا لإحياء القيم الإسلامية المغيبة، إلى جانب محاولة الإمام عليه السلام إعادة الامّة- لا سيما أولئك الأفراد الذين تكالبوا على الدنيا وثرواتها إبان عهد عثمان- إلى المسار الإسلامي الصحيح.
وما أورع هذه المواعظ والنصائح البليغة الواضحة للمتكالبين على الدنيا من أبناء عصرنا الراهن حيث يشهدون ذات الظروف، بل أسوأ منها والتي عصفت بالمجتمع وجعلته يتعلق بالدنيا، والحق لو لم يلتفتوا إلى هذا الأمر ويفكروا في علاج وضعهم فلا من دين ولا دنيا معقولة يمكنهم أن يظفروا بها ويحصلوا عليها.
والعبارات تنسجم تماماً وما صرحت به الأحاديث النبوية الشريفة وروايات وكلمات
[١] «ضنك»: بمعنى «الضيق» والشدّة وهى مفردة تستعمل بصيغة المفرد دائماً.