نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠ - القسم الرابع تأملوا الماضي قليلًا
جنودهم وحماتهم:
«أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ منْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً، وَأَبْقَى آثَاراً، وَأَبْعَدَ آمَالًا، وَأَعَدَّ عَدِيداً [١]، وَأَكْثَفَ [٢] جُنُوداً!».
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى خمس خصائص إمتازت بها الأقوام السابقة وهى: طول العمر، وبقاء الآثار والمخلفات، وطول الآمال، وكثرة السكان، وكثرة الجنود، فهى خصائص منحتهم التفوق على سائر من سواهم، وإلّا أنّ أي من هذه الامتيازات لم يحل دون زحف العدم والفناء لقصورهم وأديتهم، فكان مصيرهم أن تلاشوا وتساقطوا ركوعاً للموت تساقط أوراق الشجر في فصل الخريف.
ثم أضاف عليه السلام مواصلًا كلامه بهذا الشأن: «تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارٍ. ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلّغٍ وَلَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ».
نعم، فرغم كلّ سعيهم وجهدهم في سبيل عبادة الدنيا والذوبان فيها وتجنيد كافة قواهم وطاقاتهم في هذا الاتجاه، إلّاأنّهم لم يصيبوا أي شيء منها، ثم مشوا إلى حتوفهم وقد خلت جعبهم من الزاد والمتاع ودون حمل الورع والتقوى التي لا يجدي غيرها نفعاً هناك، فطريق الآخرة شاق طويل لا يجتازه إلّاأهل الورع والتقى.
ثم خاطب عليه السلام صحبه: هل بلغكم أنّ الدنيا قدمت لأحدهم فدية لتنجيه من الموت أو سكراته؟ أم هل أعانتهم بشيء في هذا السبيل؟ أم هل كانت على الأقل صاحباً حسناً لهم:
«فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ [٣] لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً!».
نعم، لم تقدم لهم أي عون ولم تنجيهم عن المكاره والأهاويل، أفلا يكون ذلك عبرة لم اعتبر من أبناء الدنياأ!
ثمّ واصل الإمام عليه السلام كلامه بهذا الخصوص قائلًا:
«بَلْ أَرْهَقَتْهُم [٤] بِالْقَوَادِحِ [٥]، وَأَوْهَقَتْهُمْ [٦]
[١] «عديد»: بمعنى «العدد»، كما ورد بمعنى الشبيه والمثيل وأريد بها المعنى الأول في عبارة الخطبة.
[٢] «أكثف»: تفضيل «كثيف» بمعنى الكثير.
[٣] «سخت»: من مادة «السخاوة» بمعنى العطاء.
[٤] «أرهقت»: من مادة «إرهاق» ستر الشيء بالقوّة، أرهقتهم بمعنى غشيتهم.
[٥] «قوادح»: جمع «قادحة» بمعنى الآفة.
[٦] «أوهقت»: من مادة «وهق» حلقة توضع على رقبة الحيوان.