نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٦ - القسم الثالث الغيب للَّهولكن
والسرور، ولعل مرد ذلك إلى حسن الأمر في طرح ذلك السؤال من الرجل الكلبي ليكشف الإمام عليه السلام عن كنه ذلك الموضوع أمام الجميع .. أو أنّ ضحكه كان من تعجبه في أنّه لا ينبغي أن يكون مثل هذا الأمر بخفي على أحد، على كل حال فانّ عبارة الإمام عليه السلام تشير إلى حقيقة في أنّ ذلك العلم مختص باللَّه وهو علم ذاتي، والعلم الممكن لما سوى اللَّه، فهو العلم الحاصل من التعلم والذي له بُعد إكتسابي، يعني يتعلّمه الإمام عليه السلام من النّبي صلى الله عليه و آله والنّبي عن طريق الوحي الإلهي (سيأتي شرح هذا المطلب).
ثم قال الإمام عليه السلام:
«وَإِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَمَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِوَيُنَزِّلُ الْغَيْبُ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرضٍ تَمُوتُ ...» [١]».
ثم أوضح معنى ذلك قائلًا:
«فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ، وَسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ، وَمَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَباً، أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً».
فخلص عليه السلام إلى نتيجة نهائية مؤدّاها:
«فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَايَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا سِوَى ذلِكَ فَعِلْمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنِيهِ، وَدَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ [٢] صَدْرِي، وَتَضْطَمَ [٣] عَلَيْهِ
جَوَانِحِي [٤]».
فالذي يستفاد من مجموع هذه العبارات:
أولًا: أنّ علم الغيب علم ذاتي مختص باللَّه سبحانه وتعالى، لكن العلم الإكتسابي والإعطائي لا يسمى بعلم الغيب، بل هو ذ لك العلم الذي علّمه اللَّه سبحانه نبيّه وعلّمه النبي من يراه مستعداً لذلك العلم.
ثانياً: لهذه العلوم التعليمية استثناءات وردت خمسة منها في الآية الشريفة الأخيرة من
[١] سورة لقمان/ ٣٤.
[٢] «يعي»: من مادة «وعي» على وزن سعي بمعنى حفظ الشيء في القلب، أو بعبارة أخرى التعلم والايداع فيالحافظة.
[٣] «تضطم»: من مادة «ضم» بمعنى جمع الشيء.
[٤] «جوانح»: جمع «جانحة» الأضلاع تحت الترائب ممّا يلي الصدر.