نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٣ - القسم الثاني لا يبقى من القرآن سوى اسمه
وَصَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ، فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَايُؤْوِيهِمَا [١] مُؤْوٍ».
ثم أكّد عليه السلام قائلًا:
«فَالْكِتَابُ وَأَهْلُهُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَلَيْسَا فِيهِمْ، وَمَعَهُمْ وَلَيْسَا مَعَهُمْ!»
، فهم يتلون القرآن في دورهم وعلى منابرهم، ويقبّلونه ويتبركون به، بينما ليس هنالك أدنى أثر لتعاليمه ومفاهيمه في حياتهم الفردية والاجتماعية، فقد اكتفوا من القرآن بغلافه وتركوا مضمونه، إنهمكوا بالألفاظ وأهملوا المعاني.
ثم خاض عليه السلام في الدليل قائلًا:
«لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَاتُوَافِقُ الْهُدَى، وَإِنِ اجْتَمَعَا».
نعم، فالضالون في وادي والهدى وأتباعه في وادي آخر، وإن كانوا معاً في الظاهر، والدليل الآخر المهم لشقائهم:
«فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ، وَافْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَلَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ»،
بعبارة أخرى فقد اتفقوا على أن لا يتفقوا، وقد أدّت هذه الفرقة إلى أن يفسّر كل القرآن حسب رغبته، أو بعبارة أخرى فقد أسسوا بنيانهم على التفسير بالرأي، يأخذون ما ينسجم مع رغباتهم من آيات بينما يسعون لتوجيه البعض الآخر من الآيات التي تتعارض وأهوائهم بما يتفق ورغباتهم، فهم يجعلون أنفسهم أئمة القرآن بدلًا من أن يكون القرآن الكريم إمامهم، ولذلك فهم لا ينتفعون بالقرآن، بل يجعلونه الموجّه لضلالهم، فيزدادوا ضلالًا وبعداً عن القرآن الكريم.
ثم رسم صورة واضحة عن مصير القرآن في ذلك العصر والزمان بعبارة رائعة لا تماثلها عبارة فقال عليه السلام:
«فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَزَبْرَهُ [٢]»
، فقد يسطر القرآن بخطوط غاية في الجمال وتذهب صفحاته وغلافه ويبتدعوا روائع الفن بهذا الخصوص وتتداول الأيدي القرآن ويتلى في المساجد بمختلف الأصوات بصورة فردية وجماعية، ولكن دون أن يكون هناك أدنى خبر عن مضمونه ومحتواه، بالضبط كالدواء الشافي الذي يوضع في زجاجة جميلة تترك على الرف دون أن يتناول المرضى منها شيئاً، وهنا يبرز هذا السؤال: هل الصالحون والمؤمنون وأصحاب القرآن صامتون في ذلك الزمان؟ كأنّ الإمام عليه السلام أجاب في
[١] «يؤوي»: من مادة «ايواء» بمعنى الملاذ والملجأ.
[٢] «زبر»: بالفتح الكتابة (وقد جاء بالمعنى المصدري واسم المصدر).