نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٠ - القسم الرابع سبيل النجاة
وأضاف بعد ذلك بهدف استماع الناس للمواعظ الإلهيّة ويبعدوا عنهم الكبر والغرور ويسلموا لأوامر اللَّه: «وَإِنَّهُ لَايَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَسَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ»، في إشارة إلى أنّ اولئك الذين يعيشون الغرور والتكبر غافلون عن عظمة اللَّه سبحانه، والذين يغترون بقدرتهم جاهلون بقدرة اللَّه تعالى، أمّا من عرف اللَّه وقدرته فهو يدرك أنّه لا شيء تجاهه، عليه فلا داعي لهذا الكبر والغرور الفارغ.
ثم قال على سبيل الاستنتاج:
«فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ، وَالْبَارِي [١] مِنْ ذِي السَّقَمِ»
، إشارة إلى أنّ سعادتكم وفلاحكم وسلامتكم في إتباع الحق، وأنّ النزوع نحو الباطل نوع من أنواع المرض والسقم، لكن من المؤسف هناك من يهرب من الحق وكأنّه يفر من مرض معدي، أو حسب تعبير القرآن الكريم: «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» [٢].
ثم عرض الإمام عليه السلام في الخطوة التالية سبيلًا واضحاً بهدف هداية مخاطبيه إلى الحق وإبعادهم عن الباطل فقال:
«وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَلَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَلَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ، حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ»،
والواقع هذا هو أحد طرق معرفة الحق والباطل والذي ينطوي تحت القاعدة المعروفة:
«تعرَفُ الأَشياءُ بِأضدَادها»
، فالإنسان يجهل معنى العافية ما لم يمرض ولا يدرك مفهوم الضياء ما لم يرى الظلمة، فقد اعتبر الإمام عليه السلام- في هذا المقطع من الخطبة كما ورد في العبارة المذكورة- التعرف على تاركي الحق ومخالفيه كطريق بلوغ الحق، فأشار إلى ثلاث طوائف:
طائفة تركت الحق، وطائفة نقضت ميثاق القرآن، والطائفة الثالثة التي نبذته وراء ظهرها، والفارق بين هذه الطوائف الثلاث واضح، فالبعض يترك الحق دون أن يحضره والبعض الآخر يحقره علاوة على تركه، وأخيراً هناك من ينقض عهود اللَّه ومواثيقه، والذي وردت الإشارة
[١] «البارىء»: من مادة برء على وزن قفل لها معنيان: الأول: بمعنى الخالق والايجاد ومن هنا يقال للَّهالباريء، والآخر: بمعنى الابتعاد عن الشيء ولذلك تستخدم بمعنى العافية والبعد عن المرض وهذا هو المعنى المراد بها في عبارة الخطبة.
[٢] سورة المدثر/ ٥٠- ٥١.