نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - القسم الثاني لستم من أهل الجهاد
الأخير بالقول:
«وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَجَلًا فِي التَّحْكِيمِ؟ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذلِكَ لِيتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ، وَيَتَثَبَّتَ [١] الْعَالِمُ».
ثم أضاف:
«وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هذِهِ الْهُدْنَةِ [٢] أَمْرَ هذِهِ الْأُمَّةِ؛ وَلَاتُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا [٣]،
فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ، وَتَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ».
فقد بيّن الإمام عليه السلام عدّة فوائد للأجل الوارد في مسألة التحكيم،
الأولى:
أن يتريث الجهّال ويكفّوا عن شططهم وتعصبهم ويحققوا في المسألة المصيرية، والأخرى: أنّ يقوم القوم علماء الامّة من أصحاب علي عليه السلام بدراسة جوانب المسألة ويختاروا ما ينطوي على الحدّ الأدنى من الخسائر ويهدوا الحكمين لانتخاب الصحيح، والثالثة: التفكير خلال هذه المدّة في الطرق التي تتكفّل بإصلاح أمر الامة بصورة كلية واجتناب الأفعال المتسرعة التي تقود إلى الضلال، والغريب في الأمر التسرع والطيش الذي مارسه الخوارج الجهّال بهذا الشأن ليعرضوا مصير الامة للخطر دون أدنى دراسة وتحقيق، وهذا هو ديدن الجهّال من الأفراد في كل عصر ومصر.
أمّا العبارة:
«لَاتُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا»
فهى كناية عن الحرية من أجل المطالعة واتخاذ القرار والانتخاب، وهى كناية فصيحة وبليغة،. والعبارة:
«تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ»
إشارة إلى أنّ التسرع في القرار ضلالة عادة.
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بأول الغي رفع المصاحف على أسنة الرماح التي تعدّ أول خطوة في الضلال [٤]، ويبدو التفسير الأول بقرينة الجملة التي سبقتها أنسب.
ثم خاض الإمام عليه السلام في نصحهم ووعظهم بالانقياد للحق وعدم مجابهته بالتعصب واللجاجة وملاحظة المنافع الشخصية، فقال:
«إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ- وَإِنْ نَقَصَهُ وَكَرَثَهُ [٥]- مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَزَادَهُ».
[١] «يتثبت»: من مادة «ثبت» بمعنى التحقيق.
[٢] «هدنة»: من مادة «هدون» على وزن قرون بمعنى الهدوء والسكون، وتستعمل عادة بمعنى المصالحة بعدالقتال أو وقف اطلاق النار.
[٣] «أكظام»: جمع «كظم» على وزن عزم وجمع كظم على وزن قلم بمعنى مخرج النَفَس.
[٤] منهاج البراعة، للعلّامة الخوئي ٨/ ١٨٠.
[٥] «كرث»: من مادة «كرث» بمعنى شدّة الغم.