نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧ - الفكر والاعتبار
«فَلَا أَمْوَالَ بَذَلُتمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا.
تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ! فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَانْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ».
الشرح والتفسير
الفكر والاعتبار
إستهل الإمام عليه السلام هذه الخطبة بذمّ طائفة من أصحابه وهو يعتب غليهم ويوبخهم فقال:
«فَلَا أَمْوَالَ بَذَلُتمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا، وَلَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا».
فالواقع هو أنّ اللَّه تبارك وتعالى خالق الأنفس هو المالك الأصلي لهذه الأموال، وهذه الأموال والأنفس أمانة استودعها اللَّه سبحانه الناس مدّة من الزمان، وإلّا أنّكم أخلدتم إليها وإلتصقتم بها وكأنّكم أنتم المالك الأصلي والخالق لها، وهذا قمة الجهل بالواقع، فالعبارة تبدو متناسبة تماماً وإلقاء هذا الكلام بعد معركة صفين، حيث كانت هناك فئة في جيش الإمام عليه السلام لم تكن مستعدة للمخاطرة بأرواحها دفاعاً عن الحق ولم تكن حاضرة لبذل ما في أيديها من أموال لتجهيز جند الإسلام.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«تَكْرُمُونَ [١] بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ!».
حقاً إنّ هذا الإزدواج لشيء عجيب في أن يتوقع الإنسان أن يعزّه ويكرمه الناس على أنّه عبد من عباد اللَّه، بينما لا يكرم أي من عبيد اللَّه سبحانه، فهو لا ينفق شيئاً من ماله ولا يضحي
[١] ورد الفعل تكرمون بصيغة الفعل الثلاثي المجرد المعلوم الذي يعني الإكرام والاحترام، وهى هنا بمعنىانتظار الإكرام.