نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٣ - قضية التحكيم
المعترض في تصوره أننا قبلنا تحكيم الأشخاص، والحال إننا لم نقبل سوى تحكيم كتاب للَّه.
وهنا سؤال يطرح نفسه: يفهم من كلام الإمام عليه السلام هذا أنّه قبل التحكيم على ضوء رغبته ورضاه ووظيفته الشرعية، والحال يفهم من عدّة خطب وردت في نهج البلاغة أنّ التحكيم فرض على الإمام عليه السلام وكان ممتعظاً من هذا الأمر، فكيف يمكن حلّ هذا التناقض؟
دّ من القول في الإجابة عن هذا السؤال أنّ الإمام عليه السلام لم يكن مخالفاً للتحكيم قط، بل كان الإمام عليه السلام يؤكد على أمرين: الأول: هو أنّ رفع المصاحف على أسنة الرماح كان خديعة ومؤامرة تهدف الحيلولة دون انتصار جيش الإمام عليه السلام في اللحظات الأخيرة من المعركة، وإيجاد الفرقة والاختلاف بين صفوف عسكر الإمام عليه السلام، وإلّا فأهل الشام لم يكونوا مستعدين لقبول تحكيم القرآن الكريم، فلم يكونوا من أهل الدين ولا القرآن حسب تعبير الإمام عليه السلام [١].
الأمر الآخر: هو أنّ الإمام عليه السلام كان معترضاً على أبي موسى الأشعري كممثل له في تحكيم القرآن، وعليه فليس هنالك من تناقض بين هذه الخطبة وسائر الخطب نهج البلاغة، والشاهد على ذلك ما فعله الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء طبق نقل أرباب المقاتل أنّه وضع المصحف على رأسه وخاطب أهل الكوفة:
«يا قَومِ إِنّ بَينِي وَبَينَكُم كِتابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ» [٢].
قضية التحكيم
نعلم أنّ جيش معاوية حين أشرف على الهزيمة المنكرة في صفين، فبادر عمرو بن العاص المعروف بمكره إلى توصية أهل الشام برفع المصاحف على أسنة الرماح والقول بالتسليم لحكمالقرآن، من جانبه قال الإمام عليه السلام بأنّ هؤلاء لا يسلمون لحكم القرآن وليس ذلك سوى خدعة بهدف منع تلك الهزيمة الحتميه، إلّاأنّ فئة من جهّال عسكر الإمام عليه السلام إلى جانب
[١] كما ورد في سند هذه الخطبة.
[٢] مسند الإمام الشهيد ٢/ ٤٣، وقد نقل هذا الأمر في الأصل مقتل الحسين، للمقرّم وقد نقله عن تذكرة الخواص لابن الجوزي (مقتل الحسين/ ٢٣٣).