نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - القسم الرابع الحرص على الدنيا
بالواجبات، وعليه فلا ينبغي لهم منح الأولوية لما ضمن والغفلة عمّا يجب عليهم الإتيان به فقال:
«قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرّزْقِ وَأُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ» [١].
وبعبارة أخرى فانّ لدينا شيئين: الأول تحصيل الرزق والثاني القيام بالفرائض الإلهيّة، وقد تكفّل اللَّه تعالى بضمان الأول وقلدنا مسؤولية الأمر الثاني، ومن هنا لابدّ أن نبذل ما في وسعنا بالأمر الثاني، والحال القضية على العكس في أنّ أغلب الناس يركزون جهودهم ويبذلون قصارى سعيهم ويشغلون فكرهم من أجل تحصيل الرزق والمعاش ويولون ظهورهم ليتناسوا الواجبات والفرائض الملقاة على عاتقهم.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«مَعَ أَنَّهُ وَاللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ وَدَخِلَ [٢] الْيَقِينُ، حَتَّى
كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ».
ويبدو أنّ هذه العبارة تشبه ما ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في مقارنته لطلب العلم بطلب المال حيث قال:
«أَيُّها النّاسُ اعلَمُوا أَنَّ كَمالَ الدِّينِ طَلَبُ العِلمِ وَالعَمَلُ بِهِ، ألا وَإنَّ طَلَبَ العِلمِ أَوجَبُ عَلَيكُم مِنْ طَلَبَ المالِ إِنَّ المالَ مَقسُومٌ مَضمُونٌ لَكُم قَدْ قَسَّمَهُ عادِلٌ بَينَكُم وَضَمِنَهُ وَسَيَفِي لَكُم وَالعِلمُ مخْزُونٌ عِندَ أَهلِهِ وَقَدْ أُرتُم بِطَلَبِهِ مِنْ أَهلِهِ فَاطْلُبُوهُ» [٣].
لا شك أنّ المقصود بالعبارات المذكورة ليس إيقاف الناس لأنشطتهم الاقتصادية الإيجابية ويتخلون عن مساعيهم من أجل ضمان الحياة المشرفة، بل الهدف هو الحدّ من الحرص
[١] يعتقد بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ «طلبه» في العبارة المذكورة ليست نائب فاعل للمضمون ونائب الفاعل هو «الرزق» التي وردت في العبارات السابقة، وإلّا أدنى تأمل يكشف أنّ هذا المطلب ينقض نسق العبارتين المذكورتين (المضمون لكم ... المفروض عليكم) والحال يقتضي الانسجام بين هاتين العبارتين أن يكون كل من «طلب» و «عمل» نائب فاعل أحدهما للمضمون والآخرى للمفروض، وعليه يصبح معنى الجملة «لا ينبغي أن تولون الأهميّة للشيء الذي ضمنه لكم اللَّه وتغفلون عمّا وجب عليكم من عمل» بعبارة أخرى فانّ الطلب هنا بمعنى تحصيل وإعداد الرزق من جانب اللَّه تعالى.
[٢] «دخل»: يعني الفساد في مثل هذه الأمور ودخل على وزن دعل بمعنى الأمور الفاسدة التي تتسلل داخلالإنسان فتؤثر على عقله.
[٣] اصول الكافي ١/ ٣٠.