نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - القسم الرابع تأملوا الماضي قليلًا
القسم الرابع: تأملوا الماضي قليلًا
«أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ منْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً، وَأَبْقَى آثَاراً، وَأَبْعَدَ آمَالًا، وَأَعَدَّ عَدِيداً، وَأَكْثَفَ جُنُوداً! تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَارٍ. ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلّغٍ وَلَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ. فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ، أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ، أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً! بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ، وَأَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ، وَضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ، وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ. فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ لَهَا، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ. وَهَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ! أَفَهذِهِ تُؤْثِرُونَ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟
فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا!»
الشرح والتفسير
واصل الإمام عليه السلام الخطبة التي أوردها في ذم الدنيا وسرعة زوالها وخداعها وغرورها مصطحباً مخاطبيه هذه المرة ليغوص في أعماق تاريخ الامم السالفة، ليصور من خلالها حياة أصحاب السلطة والقدرة ممن ملأ صيتهم الأرجاء وكانت تقوم الدنيا وتقعد بين أيديهم، وكذلك أصحاب الثروة والمال ليتساءل عليه السلام ألستم تحلون محلّ من كان قبلكم وتسكنون مساكنهم، ممن عمروا كثيراً وتركوا آثاراً وكانت لهم أمنياتهم وآمالهم ورغباتهم، وكانت لهم