نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٦ - القسم الأول الفتنة المرعبة بالمرصاد
والإمام عليه السلام لم يذكر إسماً لزعيم الجيش، إلّاأن القرائن الواردة في هذه العبارات وما بعدها تشير إلى أنّ المراد به صاحب الزنج الذي قام في البصرة عام ٢٥٥ ه ق وجمع حوله العبيد وقد خلق هناك فتنة عظيمة سنعرض لتفاصيلها في البحث القادم إن شاء اللَّه.
والعبارة:
«لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ»
والعبارات القادمة تدلّ صراحة على أنّ جيش صاحب الزنج كان من المشاة، حيث لم يكن لهم من خيول ليركبوها، طائفة من العراة المستضعفين الذين ساءت أحوالهم فقاموا على الأسياد فارتكبوا الجرائم الفضيعة، والعبارة يثيرون الأرض بأقدامهم تدلّ على أنّهم كانوا حفاة وقد اتسعت أرجلهم بسبب المشي حفاة طيلة أعمارهم لتصبح كرجل الناقة، مع ذلك كانوا مخفين في السير والحركة، وحين وصل هنا المرحوم السيد الرضي رضى الله عنه قال:
(قَالَ الشَّرِيفُ: يُومئ بذلك إلى صاحب الزنج).
ثم قال عليه السلام:
«وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ، وَالدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ، وَخَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ، مِنْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَايُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ».
والذي يستفاد من هذه العبارة أنّ البصرة كانت عامرة (وإن عاش العبيد منتهى الشقاء والعسر) فقد كانت بيوتهم كالقصور مزودة بالشرفات والظلال الجميلة وخراطيم المياه التي تزيدها روعة وجمالًا، وكما سيأتي فانّ كل ذلك قد تحطم إثر قيام صاحب الزنج وقد ضرّج أصحاب القصور بدمائهم، والعبارة
«لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ، وَلَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ».
تشير إلى أنّ العبيد لم يكونوا ذوي زوجات وأولاد، بل كانوا عزّاباً فلا نادية لهم من الأقرباء ليبحثوا عنهم ويتفقدونهم ويبكون عليهم، وهذه هى صفات العبيد في ذلك الزمان حيث كانوا يجلبون إلى البلاد الإسلامية وغير الإسلامية بالقهر والغلبة من البلدان البعيدة خاصّة أفريقيا، وخلافاً للتعاليم الإسلامية فقد كانوا يعاملون كالحيوانات، فكان قيام صالحب الزنج ردّ فعل تجاه المعاملة غير الإسلامية والإنسانية، ثم قال آخر كلامه:
«أَنَا كَابُ [١]
الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا، وَقَادِرُهَا بِقَدْرِهَا، وَنَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا».
فهذه العبارات الثلاث إشارة إلى تفاهة متاع الدنيا لدى الإمام عليه السلام وكأنّ الدنيا موجود
[١] «كاب»: من مادة «كب» على وزن خط تعني في الأصل طرح الشيء على وجهه في الأرض.