نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٧ - القسم الأول تضارب نعم الدنيا
القسم الأول: تضارب نعم الدنيا
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ! لَاتَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ، يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ، إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ، إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ. وَلَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ. وَلَا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ. وَلَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ. وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ!».
الشرح والتفسير
أشار الإمام عليه السلام في هذا القسم من الخطبة إلى أفات الدنيا التي تهدد الإنسان من كل ناحية وقد عكس هذه الآفات بثلاث عبارات عميقة المعنى فقال:
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ [١] تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا، مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ [٢]، وَفِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ! [٣] لَاتَنَالُونَ
مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى»
، فهى تشير من جانب إلى الآفات المميتة التي تشمل الفردية من قبيل أنواع الأمراض وحملات الحيوانات ومنازعة الأشرار والسقوط من الشاهق وإلى ذلك، وكذلك الآفات الجماعية كالزالزل والسيول والقحط والحروب، ومن جانب أخر ذكر اقتران كل نعمة بنقمة وكل نصر ونجاح بهزيمة وفشل، أهونها ما ورد في عبارة الإمام عليه السلام حين قال:
[١] «غرض»: الهدف الذي يرمى بالسهام.
[٢] «شرق»: له معنى مصدري يعني الاختناق بالماء.
[٣] «غصص»: له معنى مصدري ويعني الاختناق بالطعام.