نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٠ - القسم الثاني لستم من أهل الجهاد
فقد حادوا عن الصواب وانحرفوا عن الصراط، ولا يكترثون للقرآن الكريم، اعتادوا على الظلم والجور، وقد عجزت أعينهم عن رؤية الحق فأصبحوا يدورون حول ذواتهم.
ثم لهج لسان الإمام عليه السلام بالشكوى في عباراته الأخيرة وعرضّهم لأشدّ الذمّ واللوم، لعلهم يفيقون إلى أنفسهم ويعيدون النظر في أعمالهم فقال:
«مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا، وَلَا زَوَافِرَ [١]
عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا. لَبِئْسَ حُشَّاشُ [٢] نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ!».
ثم شدد عليه السلام في تقريعهم فقال:
«أُفٍّ لَكُمْ! لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً [٣]، يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَيَوْماً
أُنَاجِيكُمْ، فَلَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ
[ [القَاء]]
، وَلَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ [٤]!».
فقد تطرق الإمام عليه السلام إلى حقيقة في هذه العبارات وهى إن كانت هنالك من مشكلة قد ظهرت في أمر الجهاد وحكومته عليه السلام فانّما مرد ذلك إلى عدم كفاءة جمع من صحبه، وذلك لأنّهم كانوا يبدون الضعف والوهن في كل ميدان يطرقه الإمام عليه السلام، ومن الطبيعي أنّ هناك ضرورة للصولة المقتدرة في بداية المعركة والتي ينبغي أن تحصل من قبل الرجال الأشداء والشجعان والمخلصين، ولم يكن من ينهض بهذا الدور في معسكر الإمام عليه السلام، من جانب آخر فان القائد حين ينادي أن أحملوا! فلابدّ من حركة الجميع بشكل منسجم، إلّاأنّهم كانوا أضعف وأوهن من ذلك، وإن كانت هناك من خطط حربية يطلعون عليها بصورة سرية، لابدّ أن يجدوا ويجتهدوا في حفظها، إلّاأنّهم لم يكونوا من حفظة الأسرار ويوثق بهم، وعليه لا يبدو من الصواب توقع حصول نصر خاطف في ظلّ وجود مثل هؤلاء الأفراد، والعجيب في الأمر فانّ مثل هؤلاء الأفراد وبهذا المدى من الضعف والوهن حين يصابون بفشل، فهم يوعطونه إى الخارج ويحملوا الإمام عليه السلام مسؤولية زلاتهم دون أن يهموا ويفتشوا عن أسباب ذلك في أنفسهم، وهذه مشكلة كبرى.
[١] «زوافر»: جمع «زافرة» من مادة على وزن فقر بمعنى الألم والصراخ، ولما كان أعوان الإنسان بصفتهمالمواسين في الألم والأنين فقد اطلقت مفردة الزافرة على النصير وهذا هو المعنى المراد في العبارة.
[٢] «حشاش»: حمع «حاش» من مادة حش على وزن شك بمعنى إيقاد النار، والمراد بها هنا الأفراد الذين يسددون أولى الضربات للعدو.
[٣] «برح»: بفتح الباء الشدّة والغضب.
[٤] «نجاء»: ونجوى الهمس في الاذن والشيء الذي يقال للآخرين سراً.