نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٠ - القسم الرابع الحرص على الدنيا
«إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرّ مِنَ الشَّرّ إِلَّا عِقَابُهُ، وَلَيْسَ شَيٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ».
فالإنسان بصورة عامّة يهرب من السوء والشر ويجنح نحو الخير، وقد جبل على السعي نحو جني منفعة ودفع الضرر، فقد اعتمد الإمام عليه السلام هذا الأمر الفطري ليدعو الناس إلى طاعة اللَّه تعالى والابتعاد عن المعصية والذنب فقال إنّ الأسوأ من السوء هو عقاب اللَّه تعالى ومؤاخذته على الذنوب والأفضل من الخير هو جزاء اللَّه تعالى وثوابه على الطاعة والاحسان، من الواضح أنّ المراد من الشر والخير (بقرينة الثواب والعقاب) هو المعصية والطاعة، بينما يتسع معنى الشر والخير إن توسعنا في معنى العقاب والثواب ليشمل العقاب والثواب التكويني (أي جزاء وبركات الأعمال في الدنيا).
وقد أورد الإمام عليه السلام مثل هذه العبارة في موضع آخر حيث قال:
«فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرُّ مِنْهُ» [١].
فقد إهتم الإمام في النظرة الاولى إلى النتائج ومن ثم إلى الأسباب والعلل، حقّاً إنّ الذي يضمره فاعل الخير والشر أعظم ممّا يقوم به من عمل، لأنّه لا يرى توفر أرضيته وأسبابه، من جانب آخر فانّ نتائج الأعمال خالدة بينما تزول الأعمال وهذا بحدّ ذاته دليل على أفضلية النتائج على نفس الأعمال.
ثم أضاف الإمام عليه السلام نقطة مهمّة أخرى بهذا الخصوص فقال:
«وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ. وَكُلُّ شَيءٍ مِنَ الآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ»،
هذه حقيقة في أنّ المتع المادية كالسراب له منظر خاص من بعيد، ولكن لا يبدو شيئاً يذكر حين يصله الإنسان، فللقصور والثروات والقدرات واللذات والمتع ظاهر أنيق من بعيد، ولكن ما أن يقترب منها الإنسان حتى يرى سيل المشاكل والمصائب، فيتمنى أحياناً أنّه لم يبلغها ويحصل عليها، في حين ورد بشأن النعم الإلهيّة الجمّة في الآخرة:
«أَعْدَتُ لِعبادِي ما لاعَينٌ رأَتْ ولا اذنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَل قَلبِ بَشَرٍ» [٢].
بل ليشعر الإنسان بالعجز عن وصف اللذة التي يعيشها في هذه الدنيا حين مناجاته للَّه
[١] نهج البلاغة، الكلمات القصار ٣٢.
[٢] بحار الانوار ٨/ ١٩١، ح ١٦٨.