نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - القسم الثاني نزول الموت؟
أكّد الإمام عليه السلام كلامه بأنواع التأكيدات [١]، والتي بلغت عشرة أنواع حسب قول بعض شرّاح نهج البلاغة، فقال أنّ صوت داعي الموت يطرق الأذن من كل جانب وقد دوّى صوت الرحيل ليملا كافة أرجاءالعالم، وملك الموت لا يفرق بين كهل وشاب وطفل، فقد كمن للجميع ولا يتنظر سوى أمر اللَّه، ثم قال عليه السلام:
«فَلَا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَحَذِرَ الْإِقْلَالَ، وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ- طُولَ أَمَلٍ وَاسْتِبْعَادَ أَجَلٍ- كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ [٢] عَنْ وَطَنِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ»
، يمكن أن يكون للعبارة
«فَلَا يَغُرَّنَّكَ
سَوَادُ النَّاسِ»
، معنيان:
الأول: إن رأيت الناس أحياء وسالمين فلا يخدعك ذلك ولا يغفلك من الموت.
والثاني: لا تخدعك جماعات الناس لأن تفكر في الحياة لا الموت، ومفهوم العبارة:
«وَحَذِرَ الْإِقْلَالَ»
، ابعاد النفس (حسب طنه) عن الفقر بجمع الأموال، والعبارة:
«وَأَمِنَ الْعَوَاقِبَ»
تعني تصور الشخص أنّه بمأمن من عاقبة عمله بسبب الآمال الفارغة بأنّ الوقت مازال مبكراً على الموت، ولكن رغم كل هذه الآمال والأماني، فقد فاجأهم الموت وأخرجهم بسرعة وعنف من وطنهم المألوف وطردهم من مكانهم الآمن، ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ ذلك في الوقت الذي يحملون فيه على الأولاد وقد تناولتهم أيدي الرجال ليمسكوهم بالأنامل، وكأنّهم متنفرون ومرعبون من حمل توابيتهم بكامل أيديهم:
«مَحْمُولًا عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا، يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ، حَمْلًا عَلَى الْمَنَاكِبِ وَإِمْسَاكاً بِالْأَنَامِلِ».
فقد رسم الإمام عليه السلام صورة واضحة بهذه العبارات الصريحة والبليغة المؤثرة لكيفية نهاية حياة الأثرياء المرفهين والمغرورين بالجاه والمنصب، ولاسيّما حين يدركهم الموت المفاجىء، فهى عبارات تمزق كافة الحجب التي تسدل على عين الإنسان، كما توقظ كل سامع من نوم غفلته.
ثم أضفى عليه السلام صورة أخرى على هذا المعنى مواصلة لكلامه فقال:
«أَمَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ
[١] هذه الأنواع العشرة من التأكيد هى: «ان» وضمير الشأن «إن» اعتبرنا الضمير في «أنّه» ضمير الشأن والجملةالاسمية والقسم بلفظ الجلالة والجد والألف واللام التي دخلت عليه ولا اللعب والحق ولا الكذب والاستفادة من الحصر في العبارة (ما هو إلّا ...).
[٢] «ازعج»: من مادة «ازعاج» بمعنى الاقتلاع والاخراج.