نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٨ - القسم الأول كيف وقعتم في فخ العدو
أجل إعدادهم:
«أَكُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ؟ فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ».
رغم أنّ المدّة بين معركة صفين ومقاتلة خوارج النهروان لم تكن طويلة، لكن لا يعلم كيف اتصلت الفئة الثانية التي لم تشهد صفين بالفئة الأولى الباغية، وربّما أثرت عليها وساوس الفئة الأولى سمومها التي بثّتها بين أهل الكوفة فجعلتها تلتحق بها وتقف معها في مواقفها الفاسدة.
ثم قال عليه السلام:
«فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ، فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً، حَتَّى أُكَلِّمَ كُلًّا مِنْكُمْ بِكَلَامِهِ».
فالعبارة تفيد أنّ المخاطبين بحديث مهم إن لم يكونوا على مستوى واحد فانّ الفصاحة والبلاغة تقتضي تمييزهم عن بعضهم والتحدث لكل بما يتناسب ووضعه، ليكون للكلام أثره المرجو والمطلوب، ومن هنا سلك الإمام عليه السلام هذا النهج:
«وَنَادَى النَّاسَ، فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلَامِ، وَأَنْصِتُوا لِقَوْلِي، وَأَقْبِلُوا بأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ، فَمَنْ نَشَدْنَاهُ [١] شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا».
فالذي يستفاد من هذه العبارة أنّ الخوارج أو جيش الإمام عليه السلام ممن حضر هناك، أو كلاهما، أنّهم كانوا مشغولين بالكلام مع بعضهم البعض الآخر، فقد دعاهم الإمام عليه السلام إلى الصمت والاستماع لما يقول والاقبال عليه بقلوبهم ليستعدوا للتفاعل مع الكلام، كما إختار من جمعهم بعض الشهود:
«ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عليه السلام بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، مِنْ جُمْلَتِهِ أنْ قَالَ عليه السلام:» [٢].
فقد أخذ الإمام عليه السلام أيديهم إلى الماضي القريب وذكّرهم بكبر أخطائهم وعظم معصيتهم وتمردهم، ثم خاطب الفرقة التي شهدت صفين:
«أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَغِيلَةً [٣]، وَمَكْراً وَخَدِيعَةً: إِخْوَانُنَا وَأَهْلُ دَعْوَتِنَا، اسْتَقَالُونَا [٤] وَاسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَالتَّنْفِيسُ [٥] عَنْهُمْ؟».
بعد ذلك طرح الإمام عليه السلام ردّه على تلك الخدعة:
«فَقُلْتُلَكُمْ: هذَاأَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ،
[١] «نشد»: من مادة «نشد» بمعنى النداء والسؤال والطلب وهنا بمعنى الاستشهاد.
[٢] هل هذه الجملة للسيد الرضي أم كلام رواي الخطبة الذي نقل عنه السيد الرضي، لا يعلم بالضبط، لكن من المسلم به أنّ كلام الإمام عليه السلام أكثر ممّا ورد في نهج البلاغة وقد اعتاد السيد الرضي على اقتطاف أفصح وأبلغه.
[٣] «غيلة»: بمعنى «غدر».
[٤] «استقالوا»: من مادة استقالة بمعنى عودة الشيء.
[٥] «تنفيس»: بمعنى الكف والحل.