نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٠ - القسم الأول كيف وقعتم في فخ العدو
طواغيت الشام وذهبت بدماء شهداء صفين أدراج الرياح، فذلت دعاة الحق وأشعرتهم باليأس.
ثم قال عليه السلام إثر ذلك:
«وَوَاللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ؛ وَإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي، مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ».
إشارة إلى أنّه حين رأيت ما وقع بينكم من شقاق في مسألة التحكيم يتطلب أن أمنعه، وبخلافه لنازع أحدكم الآخر وشهر السيف في وجه صاحبه ولقاد ذلك الأمر إلى فضيحة كبرى، وهنا شعرت بالاضطرار لقبول التحكيم.
أضف إلى ذلك فلو فوضتم التحكيم إلى من هو عالم به ولا يفارقه ومحيط بمضمونه ولم تتجهوا صوب فرد بسيط وجاهل كأبي موسى الأشعري، لفشلت تلك المؤامرة وخمدت الفتنة، وإن كان فيها من ضرر فهو جزئي محدود، لكنكم فرضتم عليَّ التحكيم وكذلك أجبرتموني على تحكيم أبي موسى الأشعري، فسقطتم في هذه الفتنة وتكبدتم كل هذه الأضرار فما تقولون بهذا الخصوص؟ فهل عليَّ أن أتحمل مسؤولية تقصيركم؟ وأدفع ثمن جريمتكم؟ والذي نخلص إليه مّا مرّ معنا من كلام:
١- أنّ الإمام عليه السلام أقسم مرّتين في هذا المقطع من كلامه، سيّما في القسم الثاني الذي أردفه بالتوكيد ليبيّن بعده كل البعد عن أدنى تقصير.
٢- ما بيّنه الإمام عليه السلام في القسمين المذكورين ليس فيه ما يدلّ على ترديده في مسألة للتحكيم، بل إشارة إلى حالتين مختلفتين، فقد كان مخالفاً بشدّة في البداية، لأنّه كان يعتبرها مكر وحيلة خطيرة، ولما اختلف جيشه وصحبه، وأبى الأعم الأغلب منهم إلّاالتحكيم، استجاب للتحكيم دفعاً للفتنة وإبعاداً للفرقة والشقاق، وعليه فقد كانت مخالفته في بداية الأمر وموافقته تستند إلى الحكمة، وبغض النظر عمّا سبق لو لم يصرّ ذلك الفريق الجاهل على تحكيم ذلك العنصر الفاسد كأبي موسى الأشعري لما كانت المشاكل بذلك الحجم، فذلك الإصرار الفض هو الذي أدّى إلى عقم نتائج معركة صفين والامتياز الذي حصل عليه أعداء الإسلام، وبناءاً على هذا فانّ هذه الفئة المتعصبة أخذت تفقد مواضعها الواحد بعد الآخر حتى انتهت إلى ذلك المصير الأسود، والعجيب أنّهم استجيب للتحكيم؟!